جودة البيئة والمدارس– بين الشّعارات والتّطبيق!

الرجوع

إلهام بلان دعبول

 إنّ المصالح المتضاربة ما بين الرأسماليّة وأنصار جودة البيئة، تظهر جليًّا في تفاقُم مشكلة البيئة نتيجة مخلّفات النّظام الرّأسمالي، الذي يضع قيمة المادّة فوق أيّ قيمة إنسانيّة أخرى. وأعتقد، أنّ ما يعزّز الدّور السّيِئ الّذي تقوم به الرّأسماليّة، هو الدّور الهامشي الّذي تقوم به الشّعوب تجاه البيئة بعد أن تمّ سلب إرادتهم عن طريق الأنظمة القامعة لشعوبها، والمنتفعة من الرّأسماليّة، للبقاء في نظام الحكم، كما يحدث بمعظم دول المنطقة والعالم، ليست فقط العربيّة منها.

 

ولماذا هذه المقدّمة؟ وما علاقتها بدور المدرسة في المساهمة بحماية البيئة ومحاولات وقف تدهور جودتها؟

بين جدران المدارس في كلّ مكان في العالم، هنالك عمليّة بناء إنسان المستقبل والمجتمع الإنساني المستقبلي. لذلك، من المهمّ مراقبة دور المدارس في تنشئة هذا الجيل، والذي من المُفترض أن يكون جيلًا واعيًا ناقدًا مدركًا لما يدور حوله في العالم، شريكًا فعّالًا، وقادر أن يؤثّر على اتّخاذ قرارات محليّة ودوليّة، وليس جيلًا منزوع الإرادة.

لكنّنا وبالحقيقة نعي جيّدًا، أنّ مؤسّسة المدرسة كما باقي المؤسّسات الرّسمية (وغير الرّسمية منها في بعض الأحيان)، هي بمثابة فرع صغير من مؤسّسة نظام الحكم. وعليه، فمن الضّروري أن نتنبّه لمصداقيّة عملها في بناء شخصيّة الفرد- الطّالب/ة، إذ وكما نلاحظ فإنّ العمليّة التّعليميّة فيما يختصّ بجودة البيئة تحديدًا، تهتمّ بأن تمرّر المادّة التعليميّة حسب المنهاج، لكنّها لا تحثّ على تطبيق القيم في مناحي حياة الطلّاب، ولا تساهم في التّشبيك ما بين المؤسّسات لضمان عمل شموليّ حقيقي، له تأثيراته الواضحة على المجتمع.

 

يُقال: "إنّ عجلة التّقدّم والتّطور في حركة دائمة". فهل تتحرّك هذه العجلة نحو الأمام أم إلى الخلف؟

الكثير من التّساؤلات يجب أن نتوقّف أمامها ونتفحّصها جيّدًا. يبدو وكأنّنا أودعنا أنفسنا وأطفالنا وأرضنا وكلّ ما عليها "أمانة" بين أيدي المؤسّسات: التّربويّة والصّحيّة والقانونيّة ... لكنّنا بحاجة ماسّة لالتقاط المعطيات والمعلومات لنعالجها، نراقبها، نُسقِطُ ما لا يناسبنا ونعزّز ما يدفع عجلة التقدّم والتطوّر إلى الأمام.

إنّ المجتمع الاستهلاكي العالمي الّذي نعايشه منذ عقود من الزّمن، أثبتَ فَشَلَهُ، وقد أربكتنا المشاكل البيئيّة المستعصيّة التي تواجهنا يوميًّا مثل: ارتفاع معدّل درجات حرارة الأرض، انصهار الجليد، الفيضانات، تلوّث مصادر المياه العذبة وتلوّث المحيطات، تلوّث الهواء، تصحّر الأراضي، الازدحام السّكّاني الخانق وازدحام في المركبات، تراجع جودة الغذاء بشكلٍ ملحوظ، انقراض أنواع كثيرة من النّباتات والحيوانات، الضّجيج والكثير من المشاكل الأخرى.

نحن أهملنا أهمّ هدايا الكون لنا: الأرض وما عليها، وواجبنا أن نُعيد حساباتنا وأن نراقب أفعالنا حتّى يتبقّى للأجيال القادمة أرضًا صالحة للعيش فيها.

 

إذن، هل من المُجدي وضع إشارة ✓ بجانب المشاريع التّعليميّة- التّربويّة بشكل عام والمشاريع البيئيّة بشكل خاص وأن يحقّق الطلّاب النّجاح النّظري، دون أن نلمس الأثر لذلك في نهج حياتهم اليوميّة؟

مع بداية السّنة الدّراسيّة من كلّ عام، أتوجّه لطلّابي بالقول: "ما جئنا نتعلّم العلوم خلال دروس العلوم، وإنّما جئنا لنحيا العلوم بكلّ تفاصيل حياتنا". وبين العلوم والبيئة علاقة مباشرة لا يمكن تجاهلها أبدًا. حين نتناول طعامنا أو نلعب أو نشاهد التلفاز أو نعمل على الحاسوب أو نقرأ أو نستحمّ أو نراقب النّجوم وتقلّبات الطّقس، أو نسافر في الطّائرة أو نبحث؛ فإنّ هنالك علوم الطّاقة وعلم الأحياء والكيمياء وعلوم المادّة واستراتيجيّات تساعدنا للتشبيك فيما بين المعلومات والآليّات لبناء منظومة معرفيّة- تطبيقيّة تنتج عنها مؤثّرات بيئيّة علينا أخذها بعين الاعتبار.

نحتاج أن نرفع مستوى الوعي عند كلّ فرد لتخطّي الأزمات البيئيّة. هذا الفرد هو الطّفل والأهل وكلّ فرد بالمجتمع. وبما أنّنا لا نعوّل كثيرًا على المؤسّسات الرّسميّة، فمن المجدي أن نقوم ببناء مؤسّسات خاصّة تنطلق من الحاجة للتغيير بعد أن تتمّ عمليّة التوعية من قبل أشخاص خبيرين ملتزمين بقضايا البيئة منعًا للتدهور أكثر فأكثر، وحفاظًا على موروث الإنسان الحضاري وعدم تدميره.

 

خطوات عمليّة يستطيع كل طالب/ة العمل بموجبها للحدّ من تفاقم المشاكل البيئيّة:

  • الابتعاد عن الاستهلاك الزّائد للمنتجات حتّى الغذائيّة منها، لما فيها من أضرار بيئيّة مباشرة.
  • التّقليل من استخدام المركبات والتّحرّك بواسطة القدمين إذا أمكن.
  • الابتعاد عن الاستهلاك الزّائد للكهرباء.
  • تشجير المناطق من حولنا لاستعادة الهواء الطّلق، وأيضًا استعادة بعض العصافير التي هجرت بلداتنا بسبب قطع الأشجار.
  • العودة للفلاحة وعدم استعمال المبيدات الكيميائيّة، واستبدال الأسمدة الكيميائيّة بأسمدة عضوية (روث الحيوانات، كومبوست ...).
  • الاختصار بمساحة السّكن والحفاظ على مساحات خضراء تضمن وجود هواء نقيّ صالح للتنفّس.
  • الاهتمام بإلقاء النّفايات في الحاويات وعدم الاستهتار بأهميّة نظافة المكان، لما فيها من ضرّرٍ كبيرٍ على الكائنات الحيّة الحيوانيّة (سنلاحظ بعض هذه الأضرار في الأفلام المرفقة روابطها بنهايّة المقال).
  • عدم التسبّب بضجيج من خلال الصّراخ أو بمساعدة أجهزة تكبير الصّوت.
  • عدم استعمال المفرقعات ولا حتّى بالمناسبات السّعيدة الخاصّة جدًا. يمكن أن نفرح دون أن نتسبّب في الإزعاج من الضّجيج وتلويث الهواء، واستنفاذ المواد من الأرض.
  • الحفاظ على التنوّع البيئي للنباتات والحيوانات وترك مساحات بريّة للتواجد فيها دون تدخّل الإنسان. العصافير مثلًا مكانها في البريّة لتحيا بحريّة وتقوم بتلقيح بعض الأشجار لكي تثمر وليس داخل الأقفاص.

كانت هذه بعض النّقاط التي يستطيع كل طالب/ ة الالتزام بها للمساهمة في لجم التّدهور البيئي. وإذا استطعنا أن نصل لمستوى التّنفيذ من قبل الطلّاب، هذا يعني أنّهم قد وصلوا لمستوى الوعي الّذي جعلهم ينفّذون.

 

كيف يتكوّن هذا الوعي عند الأطفال؟

ليس بالتّعليم وحده نحقّق الهدف، بل نحتاج إلى شبكة من الأشخاص المحيطين بالأطفال، من أهل وأقرباء وأصدقاء وبائعين وعمّال وموظّفين ومعلّمين وغيرهم، ملتزمين بقضيّة البيئة، ويشكّلون نموذجًا صادقًا واضحًا للأطفال. هكذا تُبنى مؤسّسات اجتماعيّة تكتسب مصداقيّتها في تنشئة جيل المستقبل بعيدًا عن المؤسّسات الرّسميّة، وتساهم في رفع الوعي الجماعي للمجتمعات، وبالتالي الضّغط على الأنظمة لاتّخاذ خطوات جدّية لمنع التّدهور المرتقب من اختلال التّوازن البيئي.

لستُ متفائلة من تدارك الإنسان للأمر، بل تبدو لي الصّورة سوداويّة جدّا. لكنّني أثق فقط بالطّبيعة وقدرتها على التجدّد، بعد أن تكون قد استبعدت الإنسان من عليها، أو اختار هو أن يتدارك الأمر قبل الانزلاق التّام.

 

روابط أفلام تعليميّة مقترحة:

الفيلم الاول - Human pollution kills birds
الفيلم الثاني - تلوث المحيطات
الفيلم الثالث - Sea Turtle Rescue - Net Entanglement In Argostoli Harbour
الفيلم الرابع - ذوبان الثلوج يهدد الدببة القطبية
الفيلم الخامس - ماذا يحدث لو تم قطع جميع الاشجار فى العالم؟
الفيلم السادس - رئة الأرض تحترق, والسبب غبي! حريق غابات الأمازون!
الفيلم السابع -  Home بيتنا (فيلم طويل باللغة العربية)

 


كاتبة المقال: إلهام بلان دعبول وهي كاتبة ومربيّة.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب