موقع تل السكن الأثري " غزة القديمة"

الرجوع

عزيز حمدي المصري

تل السكن، موقع أثريّ يقع جنوب مدينة غزة، يعود تاريخه إلى العصر البرونزي، وهو العصر الذي كان يسكن فيه الكنعانيون أرض فلسطين. يعتبر من أقدم المناطق الأثريّة الكنعانيّة التي تم اكتشافها في فلسطين. يعود تاريخ اكتشاف الموقع إلى حفريات أجريت في الموقع لبناء أبراج سكنية في العام 1998، إذ عثر على أطلال الموقع بطريق الصّدفة ثم أجريت فيه بعض عمليات التّنقيب بإشراف فرنسي، التي توقفت عن العمل بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول 2000، وقرب الموقع من نقاط التماس مع مستوطنات العدو الإسرائيلي، مما جعل العمل فيه عرضة للخطر. وعادت أعمال التّنقيب بعد الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات قطاع غزة في 2005، إلّا أنّ الموقع لم يحظى باهتمامٍ بسبب توقف البعثة الفرنسيّة عن العمل بعد إحداث الانقسام في صيف 2007. تتباين التّقديرات بشأنِ مساحة تل السّكن، فبعض الخبراء قدروها بــ 200 دونم، وآخرون بــ 100 دونم.

أرخ الموقع إلى العصر البرونزي المبكر الأول 3000-3300 قبل الميلاد، والمرحلة البرونزيّة المبكرة الثّانية 2250-2600 قبل الميلاد. وهو أقدم مركز إداري مصري محصن في فلسطين، وكان بمثابة المكان الرّئيس للأعمال التّجارية بين مصر والمناطق المجاورة.

شهد التّل مرحلتين مختلفتين من الاستيطان، وهما المرحلة المصريّة التي تميزت بأنها حضارة ماديّة تعود إلى العصر البرونزيّ الحديث، فقد تميز الموقع بالمناعة والحصانة حيث كشف عن تحصينات معمارية كبيرة أنشئت مرتين على مر التّاريخ، وقد شكل التّل المركز الإداري للمستوطنات الفرعونيّة في جنوب غرب فلسطين في نهاية الألف الرّابع قبل الميلاد، وبعد انسحاب مصر من فلسطين، توسع الموقع وازدهرت الحضارة الكنعانيّة فيه وتعتبر هذه المرحلة الاستيطانيّة الثّانيّة.

أما عن اختفاء موقع تل السّكن بشكل نهائي ودماره، نستنبط من اسم الموقع أنه تعرض للدمار على يد الغزاة. وذلك بسبب طبقات الحرق الكبيرة التي وجدت في الموقع، وما يؤيد الدّلائل الأثريّة للنّقش المصري في منطقة دشاشة في بني سويف وهو نقش يعود لأحد جنرالات حرب الفرعون بيبي الأوّل من الأسرة السّادسة، إذ ذكر النّقش أنّ الجنرال أمون كان قد قاد ست حملات متتاليّة للقضاء على تمرد الأسيويين، ويذكر أنّ الفرعون بيبي الأوّل حكم في الفترة 2332-2283 قبل الميلاد، وأنّ هذه الحملات جاءت تقريبًا في فترة اندثار تل السّكن. وباستكمال النّصّ نلاحظ أنّ الجنرال "ويني" أوضح أنها مدينة عظيمة مزدهرة أهلها يقطنون البيوت وليسوا رُحَل يسكنون الخيام، إضافة إلى اشتهارهم بزراعة العنب والتّين وفي تلك الفترة لا يوجد مدينة على السّاحل الفلسطيني توازي تل السّكن، ومن هنا يرجح أنّ ما ورد في النّقش يقصد به موقع تل السّكن.

يتميز موقع تل السّكن بوجود بقايا بذور نباتات نادرة الوجود أخضعت للفحص والدّراسة في جامعة سوربون الفرنسيّة. إذ تم فحص ما يقرب من 22687 بذرة وثمرة. ومن خلال التّعمق في دراسة أنواع النّباتات المزروعة تم تقسيمها إلى أنواع عدة بناءً على البقايا الموجودة من موقع تل السّكن، فقد وجد مجموعة من البذور التي تعود لمحاصيل القمح والشّعير بأنواع مختلفة. وأيضًا وجد مجموعة من البذور التي تعود للبقوليات كالعدس، والحمص، والبازيلاء، والكرسنه، والفول. كما وجد وبشكلٍ ملحوظ بقايا الأشجار المثمرة وخصوصًا الكرمة والزّيتون والتّين. إنّ وجود بذور الأشجار المثمرة وخصوصًا الكرمة والتّين لدليل واضح على استخدامها في أشكال عدة ومنها: تصنيع الخمور من السّاحل الفلسطيني من الكرمة حيث وجد في الموقع العديد من الكسر الفخاريّة المصريّة الخاصة بالنّبيذ، فقد كانت الخمور هي المشروب الرّئيسي للطبقة الأرستقراطيّة والحاكمة في مصر، كما استخدمت ثمار التّين كمحلي طبيعيّ للخمور في تلك الفترة، وهذا دليل واضح وصريح على العلاقات التّجاريّة بين بلاد الشّام ومصر القديمة.

كما أنّ وجود الفصيلة العشبيّة البريّة، دليل واضح على أنّ بيئة وادي غزة قد كانت بيئة رطبة في العصر البرونزي المبكر في فلسطين. وتناقص هذه البذور من عينات تل السّكن في الفترة الأخيرة من سكن الموقع ربما يوحي بانتقال مجتمع تل السّكن إلى موقع تل العجول، وهو الموقع الذي وُجد مباشرة بعد موقع تل السّكن على بعد 500 متر من مجرى وادي غزة الحالي، وهذا يدل على شيء ربما يدل على تغيير مجرى وادي غزة إلى ما هو عليه الأن. ( المعلومات النباتيّة مقتبسة من دارسة نشرت في جامعة السّوربون الفرنسيّة للباحث الفلسطينّي حسن مدنيّة).

ومن أهم الاكتشافات الأثريّة في موقع تل السّكن: العثور على العديد من الطّبقات الأثريّة التي يتراوح ارتفاعها ما بين (4-8 مترًا) قدمت لمحة عن المستويات الأثريّة فيها تسعة مستويات من الاستيطان البشري في الموقع. كما تم العثور على بقايا منازل ومنشآت محليّة وأسطح مباني مبنية بالطّوب الأحمر ،وبقايا جدران وأسوار معماريّة من الطّوب اللّبني، ويعود نظام أسوار المباني إلى أسلوب رفيع المستوي في العمارة لا يوجد له مثيل في تلك الفترة الزّمنية. إضافة للعثور على مكتشفات أثرية تعود للحضارة الفرعونيّة المصريّة. إذ عثر على فخار مصري النّصع تم استيراده مباشرة من منطقة وادي النّيل، كما تم العثور على بقايا فخاريّة كنعانيّة صنعت في غزة باستخدام الطين المحليّ ولكنه على الطّراز المصريّ.

وعثر في الموقع أيضًا على بقايا فخاريّة مهجنة تجمع بين الأثار المصريّة الفرعونيّة والكنعانيّة، الكسلطانيات والأطباق والصّحون والأباريق وزجاجات ذات عنق ضيق وجرار بيضاوية الشّكل. والعثور على أحواض للاستحمام ومزهريات أسطوانيّة منقوش أسفلها نقوش مصريّة قديمة، وكذلك جرار كبيرة للتخزين وتصدير الزّيوت والخمور. كذلك تم العثور على سبع واجهات لقصور تعود إلى السّلالة الأولي من الأسر المصرية القديمة والتي أسسها "نارمر"، وقطع للأختام الأسطوانيّة حملت أشكال حيوانات عرفت منذ العصر المبكر من التّاريخ وتمثال لضفدع من الحجر الجيري النّاعم وجد مثيلها في معبد أبيدوس في مصر، عدا عن العثور على طواحين كنعانيّة مصنوعة من البازلت والحجر الكركاري.

في السّنوات الأخيرة تعرض الموقع لاعتداءات منها مصادرة وتجريف مساحات واسعة من أرضيّة الموقع من قبل حكومة غزة، ضمن برنامج تعويض موظفي حكومتها بأراضي تقع ضمن حدود الموقع الأثري، عدا عن بناء جزء من جامعة فلسطين في منطقة الزّهراء على السّور الخارجي للموقع. مما تسبب في دمار أجزاء واسعة من الموقع.

موقع تل السّكن، موقع مدينة غزة القديمة، الأقدم من الأهرامات المصرية يحكي تاريخ مدينة من أقدم مدن التاريخ. موقع يشهد على قوة العلاقة المصريّة الفلسطينيّة الكنعانيّة منذ العصر البرونزي المبكر، علاقة مصاهرة وتجارة وثقافة، علاقة أثرت في تاريخ الكنعانيين وتاريخ غزة القديم. غزة بوابة فلسطين الجنوبيّة.

 


كاتب المقال: عزيز حمدي المصري وهو كاتب وباحث فلسطيني.

 

 

 

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب