غزة، القريبة البعيدة!

الرجوع

أمنية زعبي

منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في العام 2005، ازدادت سيطرتها عمقًا وقبضتها حدة على جميع مناحي الحياة في قطاع غزة. عدا عن الحصار البري والبحري والجوي، والدّمار الذي تخلفه الحروب والسّيطرة الإلكترونيّة وأدوات التّجسس. فهنالك مستوى آخر من السّيطرة- السّيطرة على أدق التّفاصيل في حياة الأفراد اقتصاديًا، وصحيًا واجتماعيًا.

أنتجت بيروقراطيّة الاحتلال وممارسته اليوميّة، من خلال منظومة التّصاريح وتحديد الحركة نمطًا جديدًا من التّواصل العائلي، ومفهومًا جديدًا لروابط وأواصر العائلة ورسمت سُمكَ نسيجها. إذ تضطر العائلات أن تمارس طقوسها الاجتماعيّة الطبيعيّة بشكل مبتور ومنقوص، كالفرح والميتم. يشتدّ حضور العائلة في حياة الفرد ويتكثّف في ممارسة عنصرا الحياة الأكثر طبيعيّة- الفرح والحزن. فعادة ما تكون حالات الزّواج أكثر الطّقوس معبّرة عن الأوّل، وتكون حالات الموت أشد الطّقوس حضورًا للثاني. إنها ممارسة الحياة أو ممارسة الحزن لفقدان الحياة في أكثر مساحاتها الطبيعيّة – العائلة. تلك الممارسة التي تبدو لنا في غاية الوضوح كونها مساحات مغروسة ضمنيًا في ممارستنا للحياة ذاتها وتفاصيلها اليومية، إلّا أنها ليست كذلك في غزّة، فلا تقع مساحات الموت والحياة والفرح والحزن خارج قبضة الاحتلال أو منظومة سيطرته.

في قطاع غزة هنالك آلاف العائلات التي تربطهم علاقة قربى مع فلسطينيين من الدّاخل الفلسطينيّ أو من الضّفة الغربية، وقد فرض الاحتلال منظومة معايير صارمة جدًا فيما يتعلق بزيارة العائلات من وإلى قطاع غزة في العقدين الأخيرين. بداية، تتاح الإمكانيّة لتقديم الطّلب للحصول على تصريح فقط للأشخاص الذين لهم قريب من درجة أولى (أم/أب، أخت/أخ، أبنة/أبن، زوجة/زوج) في الضّفة أو الدّاخل، وبذات الوقت هذا القريب يجب أن يكون إما مريض بوضع صحي حرج، أو مقبل على الزّواج أو في حالة وفاة. بكلمات أخرى، لا تسمح زيارات فقط من أجل الاطمئنان على العائلة.

تفرض بيروقراطيّة تقديم طلب الحصول على إذن بالحركة من وإلى غزّة دربًا من الآلام التي لا ترى بسكان غزّة إلّا "حالات" و"طلبات" تتنقّل بين جهة وأخرى على مدار الأسابيع والأشهر. إذ تبدأ الآليّة بتقديم المستندات عن طريق السّلطة الفلسطينيّة التي تقوم بتحويلها إلى الجهات الإسرائيليّة ليبدأ عندها فقط فحص الطلب. عادةً ما تستغرق هذه العمليّة أسابيع عدة. أحيانًا تتحول الطّلبات لزيارة مريض التي تنتظر الرّد الإسرائيليّ إلى طلبات من أجل المشاركة في الجنازة. فالموت لا ينتظر أحيانًا.

في السّنوات الأخيرة، ومن خلال مسحٍ سريعٍ لبعض الملفات التي تابعناها في جمعية "مسلك"، جاءت الموافقة لحضور جنازة متوفّى من الدّرجة الأولى خلال اليوم التّالي للجنازة، أي بعد إتمام مراسيم الجنازة. عادة ما يخيّم اللايقين والتّرقّب على جنازات عائلات الضّفة الغربيّة التي يكون أحد أفرادها من قطاع غزّة، الكثير منها حاول ويحاول ارجاء الجنازة حتى موعد وصول ابنها أو ابنتها من قطاع غزة ليتسنّى لهم حضور اللّقاء والوداع الأخير لأحبتهم من الدّرجة الأولى. ولكن، في الغالب لا تملك العائلة يقينًا أنّ الطّلب سيقُبل من الأساس. إنها مراسيم إضافة من الألم تراكم على طقس الحزن الأساسيّ، تتحوّل الجنازات في هذه الحالات إلى مساحة أخرى من الضّبط، فلا تسمح آلة السّيطرة الإسرائيليّة للموت الفلسطينيّ أن يسير خارج قبضتها ووتيرتها.

تقول سهاد من مواليد الضّفة الغربيّة: "تزوجت سنة 99، زوجي من غزة وانتقلت أعيش معه في غزة. من يومها لليوم زرت أهلي خمس مرات، قبل ثماني سنوات توفيت والدتي، ويومها أذكر أنني حصلت على التّصريح بعد الجنازة. أخر زيارة لي لنابلس عند أهلي كانت قبل 4 سنوات لما توفى والدي. من وقتها ما قدرت أقدم زيارة أشوف إخوتي وأخواتي. إخوتي كلهم صحتهم منيحة ومتزوجين من زمان. كيف بدي اخذ تصريح؟"

سياسة الفصل المتّبعة من قبل إسرائيل تسعى إلى التّفرقة التّامة ما بين الضّفة الغربيّة وقطاع غزة، وعلى وجه الخصوص في العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة. فمثلًا، إذا استوفى مقدم الطّلب الشّروط للحصول على تصريح (له قريب من الدّرجة الأولى في الضّفة الغربيّة ويرغب بزيارته لأحد الأسباب المذكورة أعلاه) وبالإضافة كان مقدم الطّلب شاب أعزب أو رجل متزوج وزوجته موجودة في الضّفة الغربيّة، تفترض المنظومة الإسرائيليّة أنّ هنالك احتمال كبير أن يبقى في الضّفة الغربيّة، وأن لا يعود إلى قطاع غزة، هنا يتم فحص طلبه بمسار آخر ويقبل بالرّفض في معظم الأحيان، أي أن الهوس والخوف الإسرائيلي من انتقال أحد أبناء غزة للعيش بشكل دائم في الضّفة الغربيّة مع عائلته يطغى على أي اعتبار آخر. فالطريق للحصول على تصريح يواجه ببيروقراطيّة مميتة تبدأ من طلبات مُفصلة عن الوضع الصّحي في الحالات المرضيّة، مرورًا بمقابلات أمنيّة مع المخابرات وصولًا إلى أروقة المحاكم وفرض السريّة على الملفات. وإن لم يكن هنالك أي "منع أمني" فسيجد مقدم الطّلب نفسه بحاجة إلى أن يقدم تفسيرات لماذا رجل مسن مريض في التّسعين من عمره يحتاج إلى مساعدة وعناية، ولماذا هنالك حاجة لوجود أب قرب غرفة عمليات تقطن داخلها ابنته؟

هل هنالك صلاحيّة لعمر العلاقة مع العائلة؟

في حال تم الموافقة على الطّلب، يكون التّصريح ساري المفعول لمدة ستين ساعة، يضيع منها قرابة العشر ساعات وأكثر في الحواجز بين الانتظار والتّفتيش ومدة السّفر بين غزة والضّفة الغربيّة.

لا تشكّل مساحات الموت والجنازات حيّز الضّبط الإسرائيليّ الوحيد لتفاصيل العائلة الفلسطينيّة الطّبيعية، ففي حالات الزّواج وممارسة طقوس الفرح تقع هي الأخرى في مساحات الضّبط. لا موعد الفرح ولا عدّد لياليه وأيامه مسألة عائليّة بحتة "متحرّرة" من سلطة ضابط التّصاريح، فمن عاداتنا وتراثنا العربي أنّ الزِفاف يمتد لأيام وليالٍ عديدة، ما لا يعني ضابط التّصاريح. قد تحاول الامرأة التي تريد مشاركة أختها زِفافها أن تترتب طقوس الزِفاف وتتكثف فيما يتلاءم مع مواعيد التّصريح. قالت رنا: "في التّصريح الي اعطوني إياه، ما بنفع أكون بسهرة أختي وكمان بطلعتها، كنت بس بسهرتها، هيك شفتها أكثر وهي عروس، وقت طلعتها أنا كنت على حاجز قلنديا انتظر الجندي يعطيني التّصريح أرجع على غزة"، لكل هذا يضاف الخوف والقلق الدّائم والانتظار الصّامت لموعد اللّقاء المقبل مع العائلة.

قبيل الحرب العدوانيّة على غزّة في العام 2014 سُمح للأطفال دون السّتة أعوام فقط مرافقة أهاليهم بالسّفر لزيارة العائلة، وحصل أن طفلًا وصل إلى حاجز "ايرز" وأعادوه إلى بيته في غزة بحجّة أنّ عمره يزيد عن السّتة أعوامٍ بثمانيّة شهور. بعد الحرب أتيحت الإمكانية للمرافقين حتى جيل السّادسة عشرَ.

أنتجت إسرائيل بمنظومة تصاريحها حالة حصار لا مرئيّة ذات اسقاطات اجتماعيّة ونفسيّة كبيرة في حياة العائلة والفرد الفلسطيني وممارستها: حالات الحزن والفرح، الموت والحياة. ستظلّ محاولة فهم واقع سكان غزة، ببؤسه وألمه، قاصرة لدينا طالما فعلنا ذلك ونحن نمارس فرحنا وحزننا كأنه حق مفهوم ضمنيّ، ونمارس طقوسنا بحضور جنازة قريب أو فرح عزيز ونحن نظنها طبائع الأمور. يتطلب فهم واقع القطاع تمرين ذهني مؤقت لخلع عدسة المفهوم ضمنيًا كي يتسنى لنا استيعاب أن يكون لقاء العائلة مشروط بحالة معينة، وأنّ حالة وفاة لعزيز قد تمرّ دون وداع بعناق ونظرة أخيرة، كما وأن أي علاقة خارج القرابة من الدّرجة الأولى، مثل ابن الأخ أو الأخت باتت وكأنها علاقة بعيدة جدًّا.

 


كاتبة المقال: أمنية زعبي وهي مركزة توجهات الجمهور في جمعية "مسلك".

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب