لا مصالحة وعبّاس في سدة الحكم!

الرجوع

مصطفى الصّواف

بات مصطلح المصالحة الفلسطينيّة الفلسطينيّة عندما يتم الحديث فيه بين النّخب مادة للتندر، وبين الناس أكثر سخريّة، وعندما يطرح سؤال متى المصالحة يكون الرّد (في المشمش) وهو مثل معروف بين أبناء الشّعب الفلسطيني يطرح عندما يكون المطروح صعب التّحقق .

المصالحة بالطّريقة المطروحة صعبة التّحقق كون أنّ المراد منها من قبل حركة فتح وخاصة محمود عبّاس يختلف عما تريده حركة حماس، وباتت اليوم قوى المقاومة في غزة تنتهج نهجها كحركة الجهاد والشّعبية وغيرهما من قوى المقاومة.

محمود عبّاس وفريقه المتنفذ في حركة فتح يريدون مصالحة وفق رؤيتهم القائمة على الاعتراف بالكيان الصّهيوني والسّير وفق اتفاق أوسلو سيئ السّمعة والصّيت والمختلف عليه بين عبّاس وغالبيّة الشّعب الفلسطيني، وهذا الهدف لايزال قائمًا لدى محمود عبّاس وحركة فتح وعليه الاعتقاد السّائد لدى الجمهور أنّ إمكانية وقوع المصالحة أمرًا مستحيلًا .

هذا الاختلاف ناتج عن اختلاف كما قلنا في الهدف وفي البرنامج، محمود عبّاس يؤمن باتفاق أوسلو وحماس والمقاومة يؤمنون بالتّحرير، وأوسلو والتّحرير لا يلتقيان ولذلك المصالحة لن تتحقق ما لم يتنحى أي الفريقين عن أهدافهما، وهذا الأمر بات أكثر تعقيدًا بعد معركة القدس وبات الإيمان بإمكانيّة التّحرير واردة .

حماس وفق الكثيرين قدمت أقصى ما لديها لمحمود عبّاس وحركة فتح لإيمانها بأنّ المصالحة هي المدخل الحقيقي للوحدة ومساعد أقوى لقوة الشّعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه، الذي قدمت فيه كلّ ما يلزم من أجل التّوافق وصولًا إلى ما يمكن أن يحقق مصالحة تفضي إلى وحدة حقيقية وشراكة سياسيّة بين الكلّ الفلسطيني وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة ذات برنامج وطني يتجاوز الخلافات. تفاءل النّاس حينها كثيرًا وتم التّوافق على أن تتولى حكومة رامي الحمد الله الضّفة وغزة، وتتسلم الحكومة الوزارات والمعابر والجبايّة وكلّ ما يتعلق بالشأن الحكومي، وذلك وفق ما سُمي (اتفاق الشّاطئ)، وفشل اتفاق الشّاطئ لكون الاتفاق لم يشمل الحديث عن الموظفين في حكومة غزة ولم يتم الحديث فيه عن المقاومة وتنظيم العلاقة بينها وبين الحكومة، وكلك لم يشمل الاتفاق برنامجًا سياسيًا متوافقًا عليه، إذ كان عبّاس يرى أنّ حكومة الوحدة قائمة على البرنامج المتوافق أوسلو، والاعتراف بالكيان الصّهيوني وعلى حماس أن تسلم قطاع غزة من فوق الأرض ومن تحت الأرض، وعلى حماس والمقاومة أن تسلم الأسلحة التي في حوزتها للسلطة والتّخلي عن المقاومة. ثم كانت مشكلة أخرى وهي قضيّة الموظفين من حكومة حماس التي رفض عباس الاعتراف بهم وحول معالجة مشكلتهم عبر لجنة، وتحويل جزءًا منهم للتقاعد المبكر أو تحويلهم إلى وزارة التّنمية الاجتماعية، عندها انتهى كلّ شيء وفشل الاتفاق وعادت الأمور إلى ما كانت عليه.

لم تتوقف حماس عن المحاولات من أجل الوصول إلى المصالحة والتي كان منها ما أطلق عليه هجوم المصالحة، والذي قاده حينها يحيى السّنوار رئيس حركة حماس الذي قدم فيه أيضًا ما يلزم لتحقيق المصالحة لمحمود عبّاس لإيمان من حماس بأنّ الوحدة والمصالحة هي الطّريق الأمثل لتحقيق حقوق الشّعب الفلسطيني. عندها بدأت الاتصالات بين الأطراف الفلسطينيّة ومحمود عبّاس وحدثت اختراقات متعدّدة وتم التّوافق على عقد لقاء الأمناء العامون وذلك في أعقاب مشروع "ترامب" وضم القدس، واعتبارها عاصمة للكيان وصفقة القرن وغيرها من ما طرحته الإدارة الأميركية وقامت به. الأمر الذي شعر به محمود عبّاس أن سلطته في خطر وخاصة بعد بحث أميركا عن خلق بديلًا له. فكان لقاء الأمناء العامين الذي جمع كلّ الأمناء في بيروت ورام الله، وتم التّوافق على جملة من القضايا ومنها تشكل لجنة من القوى والفصائل لإدارة المقاومة الشّعبية في الضّفة الغربيّة، ثم كانت لقاءات اسطنبول بين العاروري والرّجوب التي شملت ورقة للتفاهمات فيما بينهما لعرضها على القيادتين لإقرارها وبعد ذلك كان لقاء القاهرة والذي أعد للوصول إلى اتفاق على أساس لقاء اسطنبول، ولكن كانت المفاجأة عودة محمود عبّاس إلى الاحتلال الصّهيوني والارتماء في أحضانه بعد أن تبين لمحمود عباس مغادرة "ترامب" وقدوم "بادين" إلى سدة الحكم في الإدارة الأميركيّة. الأمر الذي فجر إمكانية التّوصل لاتفاق بين الطّرفين.

وتبين لحماس والمقاومة أنّ عبّاس لم يتخلى عن اتفاق أوسلو والمفاوضات والتّعاون مع الاحتلال الصّهيوني، وأنّ مشروع أوسلو لايزال يحكم عقلية عبّاس ووجهة نظره، وبعد ذلك لعب الوسطاء مصر وقطر وتركيا من أجل عودة الطّرفين للحوار بعد زيارات متعدّدة لمحمود عبّاس للدول الثّلاث، والتّأكيد لها على إجراء انتخابات تشريعيّة ورئاسة ومجلس وطني بالتتابع وليس بالتّزامن بعد أن وصلت الأمور بين حماس وقوى المقاومة عند الخلاف حول التّزامن أو التّوالي، وبعد الضّمانات الشّفهية التي قدمتها الدّول الثّلاث إلى حماس. وافقت حماس على إجراء الانتخابات بالتّوالي تشريعيّة ثم رئاسة ثم مجلس وطني في مدة لا تتجاوز السّتة أشهر، وعندها أصدر محمود عبّاس مرسومًا رئاسيًا بإجراء الانتخابات وفق ما تم التًوافق عليه على أن تجرى الانتخابات في الضًفة والقدس وغزة، وانتهت لعبة الانتخابات بالتّأجيل وهو يعني الإلغاء بحجة أنّ الاحتلال يرفض إجراءها في القدس، ولكن الحجة الرّئيسيّة هي أنّ محمود عبّاس وبعد حالة التّفسخ التي اصابات فتح وصل لقناعة أنه لن يحقق نتائج تمكنه من السّيطرة على المشهد السّياسي، وأنّ حماس من سيفوز في هذه الانتخابات مما دفعه إلى التّأجيل بهدف الإلغاء. هكذا انتهى الأمر ما يؤكد أنّ عبّاس يؤمن بالمثل القائل (أنا ومن بعدي الطّوفان) وعليه لا مصالحة ولا شراكة ومحمود عبّاس على سدة الحكم .

 


كاتب المقال: مصطفى الصواف وهو كاتب ومحلل سياسي.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب