الخط الممدود من رفح إلى كلّ العالم

الرجوع

سماح بصول

منذ سنوات قليلة برز اسم الفنان يحيى مولدان في تطبيق "انستغرام"، كفنان يبتكر من الخطوط والأشكال الهندسيّة الدّقيقة كلمات عربية - التيبوغرافي. لم يتوقف يحيى عن ابتكار مفردات وأسماء، بل امتد قلمه ليكتب أبيات شعرية، ويبسّط للعالم التّعاطي مع كلمات مثل فلسطين، غزة وحب.

هو من مواليد رفح ويسكن في برلين، درس الأدب العربي لكنه لم يتابع دراسته للموضوع، وتحوّل عنه لتعلّم التّصوير الفوتوغرافي والتّصميم الجرافيكي والإعلام المحوسب.

من يطالع محتوى صفحته على "الانستغرام" سيجد فنانًا يطوّع الخط بحرفيّة عاليّة ويضيف إليه الدّائرة والمثلث والمربع، ويبتكر منها كلمات ذات شكل مميز تتفق مع الأحداث الآنيّة، فإلى جانب الحب الذي يحفل به طوال الوقت ويبدع في كتابته وصياغة شكله من جديد كلّ يوم. نجده يبتكر أشكالًا وكلماتٍ تصف شخصًا بارزًا في بيروت اليوم، أو مظاهرة في السّودان يوم أمس، أو قضية رأي عام في مصر قد تتفجّر غدًا. يواكب يحيى تحديات الشّباب العربي في مختلف البلدان مقابل السّلطة والقوالب الاجتماعيّة ويعبر عنها بالكلمة. لذلك، الكثير من هذه الكلمات التي ترتبط بالأرض والتّحدي والمقاومة تحوّلت بمرور الوقت إلى وشوم على أجساد كثيرين في الدّول العربية.

علاقة يحيى بالخطوط علاقة قديمة، وهو متمسك بهذا الخط الذي أصبح يربطه بالعالم أجمع، بل أصبح هُويته البصريّة المميزة التي ما أن يراها النّاظر حتى يربطها بيحيى دون تردّد. ربما لم يكن يعلم أنّ خطوطه الأنيقة ستصبح محط أنظار مئات الآلاف حول العالم – لكنها الآن كذلك.

في رسائله إلى جمهور متابعيه يختار يحيى التّعبير بالخط أيضًا، فعلى سبيل المثال يكتب كلمة "شكرًا" ويرفق لها نصًا جميلًا موجه إلى النّاس الذين آمنوا بأنّ الابتكار الذي يقدمه جدير بالمتابعة والإعجاب والنّشر، فيقول: "هَ الشكرًا مقدمة لكل حدا موجود هان ويقرأ هَ النّص. كان نفسي أكون منيح بالحكي تَ أعبر قديش أنا مبسوط فيكم.

الشي اللي بعمله أسمه "التيبوغرافي"، كنت بعمله وأنا طفل، بس بما أنه كان خارج عن الكلاسيكيات العربيّة في كتابة الخط ويعتمد ع العشوائيّة، كنت دائمًا أحس أنه مش "قد المقام" مع إني مش إنسان ملتزم بالكلاسيكيات. للأسف فيما يخص الفن كنت شوي محافظ وبعتبر أنه الفنان لازم يمر بمراحل كلاسيكية حتى يقدم لنا شيء اسمه فن وكان هَ الشيء جاي من عدة أسباب: أولها أنه ما كان في أنسنة للفنان عندي، وثانيها من تقديس الفن واحاطته بهالات تفرض عليه أن يكون على شكل معين.

صديقة لي أسمها ميس شافت شو بعمل وانبهرت وأنا كنت سعيد وشاكر لانبهارها لأنه هو كان الطّلقة الأولى للانتفاضة "الانستغرامية"، ساعدني انبهارها اتجاهل أشياء كثيرة وأبدأ أنشر فني. اللي بعمله خط عربي بيعتمد في بنيته ع الأشكال الهندسيّة الرّئيسيّة البسيطة، وأغراضه غير تربويّة بل جمالية بحت. وجاي من ثقافة "التكنو والتاتو" وتصميم الشّعارات ويمكن اللّغة الأمازيغي".

على عكس كل ما رأيناه وعرفناه حتى الآن عن الخط العربي وأنماطه الغنيّة وتشكلاته الأنيقة، إلا أنّ ما يقدمه يحيى يبقى متفردًا في رقته، وذكيًا في صياغته.

وللختام فإن ليحيى قصة مثيرة مع اسمه، فقد ولد كمحمود المنيراوي، لكنه آثر تغيير الاسم: يحيى في الواقع ليس اسمي الشّخصي الذي حملته عند ولادتي، أو على الأقل لم يكن اسمي قبل انتقالي من قطاع غزة إلى السّويد. كنت أدعى محمود – الاسم الذي اختارته لي جدتي- ولا يزال بعض أحبائي ينادونني به. منذ وقت طويل كنت أرغب بتغيير اسمي ولكني لم أملك الشّجاعة لفعل ذلك، وأنا استخدم كلمة شجاعة لأنّ علاقتي باسمي كانت معقدة بسبب ما تعنيه عندما تترجمها (جدير بالثّناء أو التّمجيد)!
دفعني التّواجد في السّويد أو ربما ساعدني في تغييره أخيرًا ليس فقط لتلبية رغبتي ولكن الأهم من ذلك هو تجنب القوالب النّمطية التي لم تساعدني في العثور على غرفة للإيجار أو وظيفة. محمود اسم يرتبط بالعرق والدّين مع كلّ ما يحمله ذلك من أفكار مسبقة لدى الأوروبيين.

لم أفكر في الأسماء الغربيّة بل فكرت أنه من الأفضل اختيار اسم يصعب عليهم لفظه، فاخترت "يحيى" وهو اسم والدي.

يناصر يحيى قضايا شعبه، وقضايا نساء شعبه، ويعبّر عنها بتصاميمه التي يسهل تداولها ونشرها لما فيها من تميّز. كما يجيد يحيى مناصرة القضايا الإنسانيّة التي ربما تكون خلافيّة وشائكة– كالكويريّة وتعدّد الهُويات الجنسية– لكن تصاميمه تتيح للقارئ التّمعن في المحتوى وربما فيما وراء المحتوى.

 


كاتبة المقال: سماح بصول وهي صحافيّة وناقدة سينمائيّة.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب