فاقدو المكانة القانونيّة في غزة

الرجوع

نوال سعد

هذه المقالة هي إحدى المقالات التي تُكتب بالحبر الأحمر تعبيرًا عن حجم الألم... لا تتعجب مِن أنْ تقرأ مقالة في العام ٢٠٢١ تتحدث عن آلاف الفلسطينيين الذين يواجهون الكثير من الصّعاب المحليّة والدوليّة؛ لعدم امتلاكهم أوراقًا ثبوتيّة داخل قطاع غزة المحاصر أصلًا!

أحدِّثكم أنا نوال سعد الفلسطينيّة اللاجئة إلى قطاع غزة بعد أحداث الثّورة اللّيبية، وعن معاناتي المتكرّرة على مدار عشرة أعوام؛ لعدم امتلاكي وعائلتي أوراقًا ثبوتيّة، أحدثكم عن شعوري بعدم اكتمال فلسطينيتي، دائمًا هناك شيء ناقص، لا هُويّة كاملة، لا جواز سفر كامل، لا انتماء كامل، مطالبي بعيدة كلّ البعد عن مكملات رفاهية؛ لأنني بالأصل لا أتمتع بحقوقي الأساسيّة!

لقد حُرِمت من لقاء والدتي وأخي منذ عشرة أعوام، خسرتُ العشرات من فرص العمل في الخارج، ومُنِعتُ من دخول الضّفة الغربيّة. أعيش أنا ومن بقي معي من عائلتي في غزة للأبد! سجن كبير تحبسنا فيه بطاقة تعريفيّة لا قيمة لها.

هذه البطاقة التّعريفية التي نحملها لا تسمن ولا تغني من جوع، مجرد ورقة لا تسعفني للوصول إلى حضن أمي ووجه أخي، ورقة لا يعترف بها أي إنسان خارج حدود قطاع غزة، ورقة أعرف بها عن نفسي لكنها لا تستطيع أن تعرفني على العالم، ورقة بلا تأشيرة خروج! الخروج الذي بدونه سأعيش وأموت دون أن أقول لأمي بأنني أحبها وأنا أتحسس ملامح وجهها... كيف يمكن للعالم أن يصدق ذلك؟

ولكن يجب أن تصدق أيها القارئ بأنّ هناك ما يزيد عن 5000 مواطن فلسطيني في قطاع غزة لا يمتلكون فرصة الحريّة والسّفر حتى الموت!

لا يمتلكون فرصة العلاج في الخارج، فقد توفي عدد منهم ممن يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة بسبب عدم تمكنهم من السّفر للعلاج خارج الأراضي الفلسطينيّة، وعلى صعيد الدّراسة والعمل في الخارج. فهم يُحرمون من فرص التّعليم أو العمل بسبب عدم تمكنهم من السّفر والتّنقل؛ كَوْن فاقد الهُويّة لا يستطيع استخراج جواز سفر يُمكّنه من السّفر والتّنقل بحرية كما باقي المواطنين المتمتعين بالهُويّة، وأيضًا لا يستطيع فاقد الهُويّة الالتقاء بعائلته في حال كان البعض من أفرادها يعيشون في الخارج، ما يعني تشتيت الكثير من الأُسر وحرمانها مما يسمى بـ "لمّ الشمل" بسبب معضلة فقد الهُويّة.

مشكلتنا لا تنحصر في صعوبة السّفر فقط، ربما أكثر ما لا أستطيع الحديث عنه هو البعد النّفسي لهذه المشكلة، في كلّ مرة أفشل في محاولتي للسّفر إلى أمي أو إحضارها إلى هنا. أدخل في اكتئاب يجعلني أكره كلّ شيء، في كلّ مرة أشعر فيها بأنني أقل من غيري، أخاف من القادم وأتمنى أن ينتهي كلّ هذا البؤس...

وعلى الرّغم من كلّ الجبهات التي نحاربها للحصول على حقوقنا، لم نتعب ولم نمل... فقد قمنا بالعديد من المسيرات للمطالبة بالضّغط على جميع الجهات التي يمكن أن تساعد في حلّ هذه القضيّة، طرحنا قضيّة من لا يحمل هُويّة أكثر من مرة، لكن كان الرّد الإسرائيلي بعدم منحهم الهُويات لحجج أمنيّة! وقام برفض استقبال طلبات الحصول على هُويّة من كلّ الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الدّول العربيّة ودخلوا غزة بعد عام 2007، سيكون أبناؤهم للأسف ضحايا عندما يكبرون دون هُويّة...

هناك الكثير من المشاكل السّلبية المتجذرة النّاتجة عن هذه القضيّة؛ لكن يبقى الأمل لحلها في حال تمت المصالحة الفلسطينيّة على أرض الواقع، لذا يجب على الحكومة الفلسطينيّة أن تسعى لحلها، وأن تقوم بوضع آلية جديدة تتمثل في استئناف وتحديث الطّلبات الخاصة بفاقدي الهُويات، وبذل الجهود اللازمة في سبيل معالجة هذا الملف، وأن ترفع مستوى الاهتمام بهذه الفئة من مختلف الفصائل والأحزاب والمؤسسات الفلسطينيّة وخلق "داتا" لهم لتكون هذه ال "داتا" معمّمة على جميع المؤسسات وكي تكون قاعدة أوليّة لإيجاد حلّ جذري لقضيتنا العادلة.

وأيضًا لا ننسى أن نطالب السّلطات المصريّة بمراجعة السّياسات الخاصة بمعبر رفح، التي تحظر سفر الفلسطينيين لعدم حيازتهم الهُويّة الفلسطينيّة الصّادرة عن السّلطات الإسرائيليّة، والسّماح لهذه الفئة استثناء بالتنقل من وإلى قطاع غزة كونهم مواطنين فلسطينيين.

 


كاتبة المقال: نوال سعد وهي متخصصة في مجال شبكات التواصل الاجتماعي.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب