ليس بعد الخوف من القتل، خوف!

الرجوع

عندليب عدوان

بدأت في حديثها والإجهاد بادٍ عليها، قالت إن ما شهدته اليوم في المحكمة الشّرعية شرق غزة، أمر محزن، ناولتها منديل ورقي لتمسح به وجهها المتعرق واستمعت لها باهتمام، وهي المحاميّة المتمرسة في القضايا الشّرعية والمرافعة في قضايا النّساء، ولديها عشرات الحالات من قضاياهن الّتي وصلت للمؤسسة النّسويّة الّتي تعمل بها. قالت: “شهدتُ هذا الصّباح قبل أن آتي إليكم، أكثر من 10 حالات لفتيات أغلبهن أقل من 18 سنة ينتظرن في المحكمة لتنظر في قضايا مرفوعة لهن للحصول على حكم بالطّلاق، وفهمت من القاضي أنهن يطلبن الطّلاق نتيجة تعرضهن لعنف جسدي شديد من الزّوج، ومن الزّوج وعائلته في بعض الحالات". وتضيف المحاميّة أنّ القاضي يخبرها بالأمر ليُشهدها على هذا الحال الّذي وصلت إليه الأمور في مجتمعنا، وأنّ حالات طلب الطّلاق زادت حسب رأي القاضي بعد مقتل الشّابة الصّغيرة والزّوجة، الطّفلة الحامل "استبرق بركة" في خانيونس الّتي قضت تحت التّعذيب والعنف الجسدي الشّديد الّذي مارسه عليها زوجها وعائلته. وفي اعتقاد القاضي كما فهمت منه المحاميّة، أنّ الفتيات الزّوجات اللواتي يتعرضن للعنف من أزواجهن، أصابهن الخوف من ملاقاة نفس مصير "استبرق" بعد ذيوع قصة مقتلها، فلجأن لإخبار الأهل بما يتعرضن له من عنف، وطلبن الطلّاق ولاقين دعمًا من عائلاتهن الّذين خافوا هم أيضًا أن تلقى بناتهم نفس مصير "استبرق".

أصابني الحزن والإحباط وثقلًا على صدري جثم ذلك الصّباح... حزنت على مصير هؤلاء الفتيات كمطلقات قاصرات، سيلجأ الأهل لتزويجهن سريعًا مرة أخرى دون تروي أو دراسة، خاصة وأنّ المجتمع لا يستوعب فكرة بقاء مطلقة صغيرة تمارس حياة طبيعيّة مثل العزباوات، ويتعاملون معها كقنبلة موقوتة متحركة وجب إبطال مفعولها بتزويجها مرة ثانيّة، والخلاص من عبء انفجارها في وجوههم، خاصة وأن الزّواج الثّاني للمطلقة في مجتمعنا عادة ما يحمل بذور مشكلة جديدة، أكثر تعقيدًا من مشاكل الزّواج الأوّل. إذ إنّ الزّواج أو التّزويج الثّاني يكون الزّوج فيه أكبر عمرًا بفارق واضح، إن لم يكن أرملًا مسنًا في عقده السّادس أو السّابع، ويذهب للزواج من مطلقة في العشرينات أو الثّلاثينات باعتبار أنه يصنع معها ومع أهلها معروفًا أو عملًا طيبًا إذ حمل عنهم عبء القنبلة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة إن لم ينزع مسمارها زوج ما حتى لو كان مسنًا.. وفي حال كان الزّواج الثّاني للمطلقة زوج يناسبها في العمر، فيكون متزوج بالفعل ولكن هناك مشاكل في زواجه، في غالب الأحيان يتم توريط الزّوجة الجديدة بها، بل وتزداد حدة وربما تصل الأمور للطلاق مرة ثانيّة، حيث أن الحلول في مشاكل تعدّد الزّوجات عادة تأخذ حل تطليق الزوجة الجديدة الّتي لم تنجب بعد والإبقاء على أم الأولاد. وفي بعض الحالات يكون الزّوج مطلق ويناسب الفتاة في العمر ولكن لديه مشكلة في الإنجاب، فيتزوج المطلقة ليجرب حظه في الإنجاب مع زوجه جديدة... وهكذا أمثلة كثيرة تتعامل مع المطلقات على أنهن "بضاعة معيوبة" أو "بضاعة نوع ب أو د"، وفي المقابل حالات قليلة جدًّا ولا تمثل ظاهرة تلك الّتي تتزوج فيها المطلقة مرة أخرى من رجل يناسبها عمرًا ومكانة وأعزب.

وبقدر حزني على مصير هؤلاء الفتيات، فرحت. فرحت لأن هناك أملًا بإحداث التًغيير في المجتمع حتى لو حدث ببطء، أو حدث على استحياء، أو كان له ثمن تدفعه الصّغيرات المطلقات، ولكن هذا الثّمن أفضل من أن يدفعن حياتهن تحت بشاعة العنف والتّعذيب في سجن زواج لم تأخذ به قرار بنفسها. هذا الأمل بإمكانية إحداث التّغيير يمكنه أن يتجسد وأن يتراكم بشأنه العمل الجاد ويبني على بعضه البعض، إن جرى استخدام أدوات ملائمة ومتجددة، وبذلت جهود تتعاون فيها جميع الأطراف، الرّسمية من تعليم وثقافة وصحة وتنمية مجتمعية واقتصادية، وكذلك المؤسسات الأهليّة غير الحكوميّة على اختلاف توجهاتهم بهدف الحد من ظاهرة العنف الممارس على النّساء المتفشيّة في مجتمعنا تدمر حياة الأسر وتشوه أرواح النّساء وشغفهن بالحياة والأمان والهدوء. فرحت لأن انتشار قضية "استبرق" وتداولها بشكل واسع عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، ساهم في انقاذ فتيات ونساء من مستنقع العنف وربما من مواجهة "القتل" كما قتل العشرات قبلهن تحت مبرّرات وذرائع كاذبة تتماهى، وزيف ثقافة المجتمع الّذي يدعي احترام المرأة أكثر من المجتمعات الأخرى الّتي "لا تترفق بالقوارير"، وثقافة يدعمها أنظمة سياسيّة فاسدة، وأجهزة قضائية خاضعة لقوانين متهالكة لا تراعي الواقع وما يجرى عليه من تطورات.

هؤلاء الفتيات استشعرن الخطر القائم الّذي يهدّد حياتهن وسلامتهن الجسديّة والنّفسيّة، واجهن العنف وقلن "لا" واضحة وصريحة لمرتكبيه، ومن الضّروري أنْ تقوم الجهات الرّسمية والأهليّة المعنيّة بدعمهن ومساعدتهن على استكمال الطّريق الّذي بدأنه، وأن توضع البرامج للتأهيل والدّعم وتوفير كافة الخدمات الّتي تحتاجها هؤلاء الصّغيرات وكذلك عائلاتهن.

 


كاتبة المقال: عندليب عدوان وهي مديرة مركز الإعلام المجتمعي.

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب