غزة. ماذا بعد؟"

الرجوع

باسل خلف

ثمة سؤال كبير يدور في عقول سكان غزة بعد ثالث حرب خلال أقل من عشر سنوات، والرّابعة في أقل من ربع قرن .

ماذا بعد؟

المختلف هذه المرة بعد جولة تصعيد مايو/ أيار أسلوب الاحتلال الإسرائيلي في التّعامل مع غزة وحاجتها الإنسانيّة .

عقب كلّ جولة تصعيد وحتى في الحروب الماضيّة كان الاحتلال يفتح المعابر ويعيد مساحة الصّيد ويضمن إلى حدٍ ما دخول المساعدات الإنسانيّة والإغاثيّة العاجلة عبر معبر كرم أبو سالم التّجاري الوحيد في القطاع .
لكن ولأسابيع مضت لم يحدث تحسن في حركة تنقل البضائع إلى القطاع، حتى إن اقتصاديين وجهات رسميّة حذرت من انهيار الاقتصاد في غزة بسبب حالة التّنقيط بالقطارة التي تتعامل بها سلطات الاحتلال من جهة معبر كرم أبو سالم التّجاري .

جولة بسيطة في أسواق القطاع يمكنها اختصار المشهد، الكثير من المواد التي يحتاجها سكان القطاع لإعادة إعمار منازلهم المتضرّرة جزئيًا بفعل الحرب غير موجودة، ألومنيوم وزجاج وغيره، وإنّ وجدت فهي بأسعار مرتفعة نظرًا للقيود على دخولها للقطاع .

يفهم كثير من النّاس هنا أنّ ما يفعله الاحتلال هو عقاب جماعي أو بمفهوم آخر "تأديب جماعي" للناس على صمودهم في وجه آلة الحرب التي دمرت أحياء، وأزاحت أسماء عائلات بأكملها من السّجل المدني .
لكن هذه السّياسة ليست جديدة على سكان القطاع، وقد اعتادوا عليها منذ اعتبار القطاع وكتلته البشريّة كيانًا معاديًا قبل 14 عامًا .

لا تأبه إسرائيل لكلّ النّداءات التي تصدر من المنظمات الدّولية ذات العلاقة، إلى جانب قيودها المشدّدة على تحرك الوفود الدّولية الدّبلوماسية والإنسانيّة للقطاع بغيّة حجب الرّؤية عن الصّورة الحقيقية التي حدثت في الحرب، وتحدث بعد الحرب من تداعيات خطيرة .

لا حيلة للناس في غزة ولا خيارات متعدّدة .

في هذه المدينة لا يوجد قطار، ولا مترو، ولا مطار.

في هذه المدينة لا يوجد أنهار، ولا جبال

في هذه المدينة لا يوجد مطاعم دوليّة، ولا أماكن سياحيّة غير البحر المنفس الوحيد للناس، ووجهة من بقي من مستثمرين .

أصعب شيء يمكنك أن تواجهه هو أن يكون بيتك مدمر، ولا تعلم متى سيعاد إعماره.

1800 بيتًا دُمر بالكامل، ولم يسمع أحد عن جدولة ومواعيد محددة لإعادة الإعمار .

مئات الوحدات السّكنية من دون إعمار، حتى وإن حصل بعض سكانها على تمويل مالي محدود للإيجار في مساكن مؤقتة.

هذا ما يتقاسمه مليوني وربع المليون فلسطيني يعيشون في القطاع .

ثمة مشكلة أخرى، حيث معيقات السّفر من غزة متعدّدة الأوجه، وخيارات محدودة، وصعوبات تقف حائلًا أمام رحلة معاناة طويلة تنتهي غالبًا بالفشل .

يتطلع النّاس في هذه المدينة إلى الاستقرار؛ لكن أي استقرار هذا الذي سيتحقق والاحتلال جاثم على أرضه، وقادة فلسطينيون يختلفون في كل مرة، فيرفعون سقف الآمال ثم فجأة يتبعونها بخيبات أمل حتى أصبح خبر المصالحة الفلسطينية باهتًا لا طعم له ولا لون .

يحلم كثير من شبان غزة بالوصول إلى الأراضي المحتلة عام 48 وإلى القدس والضّفة الغربيّة، خروجًا من الـ 41 كيلومترًا فقط التي يقطعونها يوميًا في غزة من حدودها الشّمالية إلى حدودها الجنوبيّة، في أقل من ساعة بالسّيارة .

لقد سمحت وسائل التّواصل الاجتماعي للفلسطيني من غزة أن يرى جمال بلاده وأرضه المحتلة، أو مدن الضّفة الغربية والقدس، فزادت الحسرة على وطن لا يجد له فيه موطأ قدم .

تعيش هذه المدينة على الأمل يا سادة، ولا شيء سواه

أمل بأنّ القادم أجمل، وإن لم تكن خيوطه واضحة .

وسؤال الجالسين على مائدة الفطور أو المقهى في المساء. ماذا بعد؟

 


كاتب المقال: باسل خلف وهو مراسل قناة "العربي" في غزة.

 

 

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب