ثلاثي الجريمة والعنف: المال، المعنى والقوة

الرجوع

المحامي رضا جابر

إن تتبع تطور حالة العنف والجريمة داخل مجتمعنا يفضي إلى النّتيجة التّالية: بعكس الرّائج في أدبيات علم الإجرام، وعلوم الاجتماع بأنّ الجريمة تنبثق من رحم العنف وأنّ ازدياد مستويات العنف على اشكاله، في مجتمع ما يولد ظهور الجريمة، ادعي في هذه المقالة بأن حالتنا مختلفة وعكسيّة: إن العنف موجود في مجتمعنا بأشكال معينة ونسبة معينة؛ ولكن ازديادها بشكل كبير هو نتيجة ظهور مجموعات إجرام توغلت داخل مجتمعنا منذ النّصف الثّاني لسنوات التّسعين. نلاحظ بأنّ هناك علاقة عضويّة وطرديّة بين توغل الجريمة المنظمة، والجريمة التي تتبع لمجموعات وبين، ازدياد وتيرة وحدة العنف على أشكاله المختلفة: العنف المجتمعي، والعنف على خلفيات عائليّة، والعنف على خلفيّة ماديّة وأشكال العنف الاخرى. إن ادعاء الفصل بين الجريمة وبين أنواع العنف الأخرى هو ادعاء يعيق عملية مناهضتهما.

نلحظ ذلك من مراحل تطور العنف والجريمة الثّلاث:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة حتى المنتصف الثّاني لسنوات التّسعين حيث كانت الجريمة بمستويات ضئيلة جدًا، واقتصرت على السّرقة وترويج المخدرات وتعاطيها. حالات القتل كانت قليلة وأسبابها كانت خلافات بين أفراد وعائلات. في هذه الفترة تنوع العنف: عنف مجتمعي ولكنه محصور باستخدام العصي، والأدوات الحادة وغالبا لم يتطور إلى إطلاق نار (حيث تعاملت السّلطة مع حيازة السّلاح بأنها مخالفة أمنية تهدّدها، وضربت بيد من حديد على حائزي السلاح)، العنف ضد النّساء وتعنيف الطّلاب في المدارس. في هذه الفترة كان الجانحون، والمجرمون محصورون في السّاحة الخلفيّة لمجتمعنا وعلاقة الاقتصاد في الجريمة كان مقتصرًا على المخدرات كأساس والسّرقة بشكل ثانوي. هذه الفترة تتسم بفوارق طبقيّة محدودة. ولكن الطّبقة الفقيرة والمسحوقة هي من عانت بشكل أساسي في هذه الفترة كفاعلين وضحايا.

المرحلة الثانيّة: هذه فترة التّحول الكبير؛ وهي مرحلة منتصف التّسعين وأوّل بوادر ظهور الإجرام كمجموعات، إذ ظهرت إلى العين المجتمعية بسبب النّزاعات العنيفة بينها وسقوط قتلى. هنا أوّل ظهور للقتل من حيث العدّد والسّياق الإجرامي الأوسع. هذا الظهّور للإجرام ورد فعل المجتمع المرتبك والخائف سيشكل برأيي مرحلة فهم المجرمين للإمكانيات الكامنة في الإجرام، والاستقواء على المجتمع وبدأ يترجم عمليًا بعد عام 2000 ودخول المجرمين ساحة مجتمعنا الأمامية مستغلين ظرفين أساسيين:

  • انسحاب الدّولة والشّرطة من المجتمع العربي، وتحول في تعاملهما مع موضوع السّلاح واستعماله من النّظرة الأمنية إلى النّظرة الجنائيّة. إمكانية الحصول على السّلاح واستعماله هو سبب رئيسي في ازدياد العنف والجريمة، فقد رصدنا في مركز أمان أن 80% من حالات الاعتداء والقتل تتم بواسطة الأسلحة. تقدمت واستقوت الجريمة في مساحة فارغة من أي فعل مناهض لها.
  • بالتزامن مع هذا ازدادت الفوارق الطبقية بسبب التّحولات الاقتصادية، والاجتماعيّة المتسارعة واتساع الطبقة الوسطى والنّزوع إلى الفردانيّة. استغلت عناصر الإجرام هذه الفوارق وقدمت لشريحة كبيرة من الشّباب حلولًا سريعة وتبدو سهلة لهذه الفوارق، وأخرجتهم من شعورهم بأنهم على هامش مجتمعهم بواسطة توفير المال، وأيضًا الانضمام إلى مجموعة تعطي لأفرادها معنى وأهمية وبالأساس قوة. وهذا هو الثّلاثي الأساسي للجريمة اليوم: المال، والمعنى، والقوة.

المرحلة الثّالثة: هي مرحلة السّنوات الأخيرة، وهي متداخلة مع المرحلة الثّانية وهي نتاجها وفيها بدأ العنف ومنطق الجريمة يتوغل في أوساط المجتمع ككل. تذويت أنّ العنف ومنطق الجريمة يقدم حلولًا سريعة للناس، بالإضافة إن الجو العام المشبع بالعنف وبالأخبار عن أحداث العنف يجعلها ممكنة، ويحفز النّاس نفسيّا إلى اللّجوء لها. هذه المرحلة هي الأخطر على مجتمعنا؛ لأنّ منطق العنف والجريمة يتوغل في عصب ووعي مجتمعنا، ولن يكون محصورًا بمجموعة وتجلياته ستصل كلّ مساحات حياتنا.


هذا الفهم لآلية تطور العنف يأخذنا لاتباع سياسة معينة وهي:

أولًا، لن تنجح المخططات المختلفة في معالجة العنف داخل مجتمعنا دون التّعامل الحازم مع منظمات ومجموعات الإجرام، وتحييدها بشكل ممنهج ولمدة طويلة لأنها المجموعة التي تركز بيدها بالنّسبة لشريحة كبيرة من مجتمعنا الثلاثي الذي تقف عليه الجريمة وبالتالي العنف: المال، والمعنى، والقوة. الجريمة هي حاضنة العنف وباعثها. أنّ السّياسة التي تقول بأنّ العنف هو الأساس، وليس الإجرام ولذلك يجب أن نتبع سياسة بعيدة الأمد في الاستثمار في التّربية، والتّعليم، والرّفاه الاجتماعي، والشّباب، واندماج الشّباب بسوق العمل هي سياسة تبقي على الجريمة فاعلة وتريد أن تستعملها كأداة سيطرة اتجاهنا. إنّ التّعامل المتساهل للدولة مع الإجرام مقابل البرامج والتّصريحات للمسؤولين عن العنف وعلاجه في الاتجاه المدني يندرج تحت هذا السّياق. إنها سياسة التّهرب من التّعامل مع البؤرة الملتهبة للموضوع، والهروب إلى سياسات بعيدة المدى المريحة لصناع القرار وخصوصًا الشّرطة والتي لسان حالها دائمًا: الموضوع ليس شرطة فقط. إنه ادعاء صحيح ولكن يراد منه التّهرب. لذلك يجب أن تكون المواجهة الميدانيّة المباشرة ضد قوى الإجرام داخل مجتمعنا هي الأولوية، وأن البرامج الأخرى المدنيّة المهمة بذاتها لا تستخدم للتهرب من هذه الأولويّة.

ثانيًا، إنّ التّطور الذي أشرنا إليه في المرحلة الثّانية قد حوّل الجريمة من أسلوب العربدة والاستقواء ذو البعد، محدود الأهداف والمبني في الأساس على شخصيّة الجانح والمجرم، إلى الجريمة صاحبة المشروع: مشروع قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية. لذلك لا يمكن التّعامل مع الجريمة بمنأى عن التّعامل مع اقتصاد الجريمة المتغلغل في اقتصاد مجتمعنا العادي، وإنّ الموضوع قد تعدى مسألة السّوق السّوداء إلى اقتصاد إجرامي هو أكثر ذكاءً ومركبًا يستغل الأدوات الشّرعيّة، أو غطائها الشّرعي لاحتلال مساحات من اقتصادنا وخصوصًا ما يتعلق في السّلطات المحليّة. إن العين المجردة لا ترَ هذا النّوع من الاقتصاد، فهو مغطى بالأدوات الشّرعيّة القانونيّة والاقتصاديّة.

وهنا أمر في غاية الأهميّة: إنّ الاستثمار في البعد المدني كما أشرنا سابقًا (الأمر المهم) وبشكل عكسي سيقوي الإجرام إذا بقيت عصابات الإجرام، ومبناها، واقتصادها، وتوغلها بمأمن من المواجهة الحقيقية التي تحيدها وتجففها. بكلّ بساطة فإن قدرة المجرمون، وهذا مذهل على استعمال القوة للاستفادة من جزء كبير من الموارد المجتمعيّة ستزيد من قوته التي ستبقى مستعصية على المجتمع، ومستقوية عليه. إنه خزان الغذاء لعناصر الإجرام. إن أي فعل لا ينسف بنيّة الإجرام، ولا يضع حاجز من فلاذ بين موارد المجتمع وعصابات الإجرام نتيجته تقوية الإجرام بمجتمعنا.

الأمر الثالث: إن هناك، بالنسبة للشباب الذين يدخلون دائرة الجريمة علاقة جدل بين الاقتصاد، وبين البحث عن معنى لحياتهم وهما عنصران يجدانه في عصابات الإجرام. دون مشروع مجتمعي يفك هذا الاشتباك واعطاء الشباب فرصة في الاقتصاد، وفرصة لإيجاد معنى داخل مجتمعهم فأننا سنخسر المعركة لأن عمليّة انشطار عصابات الإجرام (بسبب الصّراعات بينها، أو بسبب عمل شرطوي عيني يعالج إما رأس عصابة الإجرام أو جنوده)، يؤدي إلى ظهور عصابات إجرام أكثر وأكثر حميميّة، وشراسة هي أكثر قوة جذب من مجتمعنا.

نلخص النّتيجة التّالية: إن الجريمة هي التي أعطت الشّرعيّة للمواطنين في استخدام العنف كطريقة سريعة وناجعة لحل مشكلاتهم الصّغيرة والكبيرة على حد سواء. هي التي أثبتت وتثبت يوميًا بأنها أنجع من الشّرطة، والمحكمة، ورجل الإصلاح. هي التي تعطى للشباب معنى وحضن ومنافذ اقتصاديّة سريعة. ولذلك لا يمكن مناهضة العنف بدون القضاء على الجريمة، فهو السّابق لها ولا يمكن القضاء على الجريمة إلّا بالقضاء على ثلاثي الإجرام: المال، والمعنى، والقوة.

 


كاتب المقال: المحامي رضا جابر وهو مدير مركز أمان- المركز العربي للمجتمع الآمن.
 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب