الصحافيون والعنف: الموجود والدور المتوخى

الرجوع

خلود مصالحة

للإعلام دور مهم وجوهريّ في صقل وبلورة الرأي العام، والتأثير على كيفيّة التعاطي مع قضايا العنف عامةً وبالتالي التأثير على مُتّخذي القرارات حيال معالجتهم لهذه الظاهرة.

قُبيل التطرق إلى الدور الإعلام الفلسطيني في إسرائيل وتعامله مع آفة العنف لا بد من استيضاح الدور الوظائفي للإعلام وتأثيره على المُتلقي.

 

تتعامل نظريّة «البنية الاجتماعيّة للواقع» مع الإعلام ليس فقط بصفته أداة لنقل الواقع، إنّما أيضًا بصفته عاملًا يساعد في صناعته. حين يعرّف الإعلام حدثًا معيّنًا على أنّه مشكلة اجتماعيّة تحتاج إلى معالجة، فهو يستخدم هذا التأطير لغرسه في الوعي الجماهيريّ، وبالتالي يؤثّر في الرأي العامّ، وفي أهل القانون والجهات المُعالِجَة. لكن، من جهة أخرى، يعزّز الإعلام القولبة في المجتمع، على تعدّد أشكالها، مثل تكريس دونيّة المرأة وحاجتها الدائمة إلى الحماية ورعاية المؤسّسة الذكوريّة.

 

تعتمد نظريّة «ترتيب الأولويّات»، على نظريّة «البنية الاجتماعيّة للواقع» في الإعلام، وتشير هذه النظريّة إلى قدرة الإعلام على رفع قضايا معيّنة إلى رأس سلّم أولويّات الجمهور. تعتمد هذه النظريّة على عاملين مهميّن؛ الأوّل «التشديد»، وهو عمليًّا اختيار مواضيع معيّنة والتركيز عليها للتغطية من بين المواضيع المتاحة للصحافيّ/ ة، ما يجعل المواضيع المنتقاة مهمّة للجمهور. العامل الثاني «التأطير الإعلاميّ»، الّذي يركّز على كيفيّة تغطية الأخبار من خلال الوسائل المرئيّة، الكلاميّة والسرديّة. يختار الإعلام التأطير الّذي يخدم مصالحه وأجنداته ويعرضها للجمهور، فيتبنّى الأخير هذا التأطير على أنّه موضوعيّ. وجدت دراسات أنّ التشديد الّذي يحظى به الخبر وعمليّة تأطيره في الإعلام، يمكنهما أن يؤثّرا في سلّم أولويّات الجمهور .

 

الإعلام الفلسطيني في إسرائيل

يعبّر الإعلام الفلسطيني في أراضي 48 عن البنية المجتمعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة للفلسطينيّين في أراضي 48. للإعلام الفلسطيني في إسرائيل دور مزدوج؛ فمن جهة يعرض الواقع، لكن من جهة أخرى يعزّز الخطاب المهيمن ويرسّخه. نظرًا إلى الواقع المعقّد لفلسطينيّي أراضي 48، فإنّهم لم ينجحوا بصفتهم جماعةً قوميّةً من إقامة وسائل إعلاميّة مستقلّة تعبّر عن تطلّعاتهم، وقد نشأ إعلام فلسطينيّ يُعَدّ امتدادًا للوسائل الإعلاميّة الإسرائيليّة، تحت وطأة وإشراف المؤسّسة الإسرائيليّة. لكن، من جهة أخرى، فإنّ ثمّة إعلام فلسطينيّ مستقلّ نشأ في أراضي 48، قدّم للمتلقّي الفلسطينيّ مضامين تخاطب رؤيته السياسيّة والاجتماعيّة.

 

على مرّ السنوات، حدثت تغييرات مهمّة في الإعلام الفلسطينيّ في أراضي 48، إلّا أنّ التطوّر الأهمّ بدأ مع ظهور المواقع الإخباريّة على شبكة الإنترنت وزيادة شعبيّتها. أدّى هذا التطوّر إلى تغييرات جذريّة في أنماط العمل الإعلاميّ، ولا سيّما في العمق والجدّيّة.

 

تعامل الإعلام الفلسطيني في إسرائيل مع العنف

على الرغم من التطوّر الّذي حلّ بالإعلام الفلسطينيّ في أراضي 48، إلّا أنّ ذلك لم يؤثّر في نمطيّة التغطية الإعلاميّة، ولا سيّما للشرائح المجتمعيّة المستضعَفة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أجرى بروفسور أمل جمّال والباحثة سماح بصول (2011) بحثًا يفحص كيفيّة تغطية الإعلام في أراضي 48 للمرأة في كلّ من صحف «بانوراما»، و«الصنّارة»، و«كل العرب »، وخرجا بعدّة استنتاجات تعزّز جميعًا الادّعاء بأنّ تعامل الإعلام مع المرأة ما زال نمطيًّا ومُقَوْلِبًا؛ إذ يُظْهِرَها مثلًا بدور الأمّ الخاضعة لسلطة الرجل أكثر من إظهارها مستقلّة وقويّة.

 

هذه التغطية النمطيّة ليست بالضرورة ناتجة عن تقصير إعلاميّ في عمل الصحافيّات والصحافيّين؛ إذ ثمّة عوامل عدّة تؤثّر في كيفيّة التغطية ونوعيّة المضامين. ثمّة باحثون يعتبرون الصحافيّات والصحافيّين حرّاسًا يزوّدون الجمهور بالمعلومات ويطرحون أخرى جديدة في الحيّز العامّ، وبهذا يساعدون على تنشئة مواطن يملك المعلومات، ما يمكّنه من المساهمة في الحياة الجماهيريّة واتّخاذ قرارات حول المعضلات الآنيّة؛ بالتالي يتعاملون مع الصحافيّات والصحافيّين بصفتهم فئةً مستقلّة قادرة على بلورة الوعي المجتمعيّ والتأثير. في المقابل، ثمّة مَنْ يعتقد بأنّ الصحافيّات والصحافيّين جزء من حقل مهنيّ يخضع بطبيعة الحال للمنافسة بين قوى مختلفة، منها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة، وعليه لا يمكن أن يكونوا مستقلّين، ولا يجب أن يكونوا كذلك بمجرّد الحاجة إلى أن يعكسوا السجالات والمواقف والمصالح المتنوّعة في المجتمع.

 

أخذًا بعين الاعتبار الخاصّيّة الهويّاتيّة للصحافيّات والصحافيّين الفلسطينيّين من أراضي 48، والّذين ينتمون بطبيعة الحال للشعب الفلسطينيّ الأصلانيّ، يجدر التوضيح أنّ ثمّة محاولات للصحفيّات والصحافيّين للعمل بشكل حرّ، دون الأخذ بعين الاعتبار التقييدات المفروضة، اقتصاديّة ومجتمعيّة وثقافيّة، والّتي تؤثّر في أنماط العمل والتغطية الصحافيّة، إلّا أنّه مقابل ذلك، يبرز أثر الانتماء الهويّاتيّ فيهم؛ فمعظم الصحافيّات والصحافيّين الفلسطينيّين لا يعملون في فضاء هويّاتيّ إسرائيليّ، على العكس، هويّتهم الفلسطينيّة تمثّل لهم بوصلة وتدفعهم نحو العمل في رفع قضايا مجتمعهم وشعبهم، ما يجعل عملهم الصحافيّ منحازًا، علمًا أنّ هذا الانحياز لا يتعارض مع القيم والقواعد المُرْتَكَز عليها في الإعلام المهنيّ، نظرًا إلى أنّ انحيازهم انحياز للمستضعف/ للضحيّة، في الوقت الّذي تؤكّد الأدبيّات المختلفة على دور الإعلام في ضرورة إسماعه صوت المستضعفين والضحايا.

 

على الرغم من هذا الالتزام الوطنيّ، والتعريف الخاصّ بمفهوم الحياد والموضوعيّة في الإعلام، إلّا أنّ الإعلام المحلّيّ يؤدّي هذا الدور غالبًا عندما يتعلّق الأمر بانتهاكات وتضييقيات المؤسّسة الإسرائيليّة على الفلسطينيّ؛ فنراه مدافعًا عن قضايا شعبه، الدور المغيّب تقريبًا في مواجهة الآفات المجتمعيّة، ومنها العنف عامّةً، وما هو ضدّ النساء خاصّةً، على الرغم من وجود الأصوات المندّدة بتحوّل العنف إلى ظاهرة، حتّى من قبل الصحافيّات والصحافيّين، الّذين يلمسون واقع الجريمة بشكل مباشر، بحكم وجودهم في الميدان والتواصل مع أهالي الضحايا والجهات ذات الشأن.

 

ينعكس هذا التعامل مع الآفات المجتمعيّة من خلال التغطية بصورة سطحيّة، حيث اذا ما اخذنا العنف تحديدًا، فالتغطية الإعلاميّة تقتصر على ذكر الجريمة، موقعها، ضحيتها، نشر صورًا من الميدان في أغلب الحالات، وذكر تفاصيل تعزز مستوى الإثارة للقارىء، مع بعض الاستثناءات في بعض وسائل الإعلام، ولا يتم التطرق إلى الجريمة من منظور شموليّ أوسع، والذي من خلاله يتم التوضيح للجمهور مدى خطورتها، تأثيرها على عائلة الضحايا وعلى المجتمع، إسقاطاتها النفسيّة والدينيّة والمجتمعيّة، والأهم من ذلك، لا يتم أنسنتها، فنرى في اغلب الحالات تغطية إعلاميّة، قد تحمل الإثارة، إلا أنها تتعامل مع الجريمة كتحصيل حاصل، منزوع التفاصيل والمشاعر، مما يحوّل الجرائم إلى مجرد أرقام.

 

الادعاء الرائج بين الزملاء الصحافيين أنّ تكرار حوادث العنف، أنهك هذه الفئة وحوّل التعامل مع الموضوع وكأنه حدث عابر، وليس استثناء يستوجب الوقوف عنده، ولربما في هذا السياق وجب التطرق إلى بعض المعطيات المهمة منها أنه ومنذ بداية العام الحاليّ (2021) قُتل حتى اليوم (28.6.21) 56 شخصًا بينهم 6 نساء، فيما قُتل عام 2020 113 شخصًا بينهم 17 امرأة وقُتل عام 2019 89 شخصًا.

 

المعطيات المقلقة التي ذكرت أعلاه، أضف إلى ذلك الرغبة المجتمعية عامةً، ولدى فئة الصحافيين خاصةً، في التعامل مع الظاهرة وتقليل خطورتها، أو حتى اجتثاثها تمامًا، ذلك لأن التحديات التي تحيط بمجتمعنا تستوجب صب كل الاهتمام في التعامل معها، منها التمييز والإقصاء والتهميش المؤسساتي، الذي يحول ايضًا في محاربة الظاهرة، حيث تكيل الشرطة بمكاليين فيما يتعلق بالجريمة العربية، دفعت الصحافيين إلى بحث الموضوع بصورة خاصة من خلال عدة لقاءات خلصت إلى عدة توصيات منها؛

  • تدريب وتثقيف الصحافيين على التعامل مع ملف العنف خاصةً من قبل خبراء في الصحة النفسية، وخبراء في التربية.
  • تدريب الصحافيين ومهننتهم في التعامل مع ملفات العنف والتطرق إلى الموضوع من كافة الأبعاد والجوانب، مما يتجاوز التغطية السطحيّة.
  • تدريب الصحافيين ومهننتهم في مجال التوثيق وتصوير ساحة الجريمة، مع التوضيح لهم الأخلاقيات والقواعد الموجهة في هذا السياق.
  • بناء ميثاق عمل إعلامي، موجه، في التعامل مع ملف العنف والذي يضمن نشر مواد إعلاميّة خالية من مشاهد العنف والإثارة الصورية والتعبيرية.
  • تشكيل لجنة خاصة من الصحافيين والتي تعمل على مساعدة الزملاء في تحصيل المعلومات خاصة من أجهزة الأمن والشرطة كما وتقوم بتتبع تطور التحقيقات في الجريمة، خاصةً وأنّ معظم الملفات لا زالت مفتوحة ودون معتقلين بسبب غياب الرقابة والمحاسبة.
  • الضغط على الشرطة، بكافة الوسائل المتاحة، لإلغاء قرار إصدار أمر منع من النشر عقب كل جريمة، مما يعزز الشفافية في تتبع الجريمة والتعامل الشرطويّ معها.
  • دفع وسائل الإعلام إلى تبني حملات إعلاميّة خاصة، تضع العنف في صلب اهتمامها، وتنشر في كافة وسائل الإعلام.
  • حث الصحفيين على القيام بدورهم خاصة بالوصول "لمكان الجريمة" واجراء تحقيق ورسم صورة حقيقية للاعتداء على الاشخاص واملاكهم مع تحويل العنف الى حدثٍ انسانيّ اجتماعي وليس رقمًا في احصائية.

 

عودةً إلى الارقام المشيرة إلى وضع العنف، من الواضح أنّ الطريق لمواجهة الآفة لا زالت طويلة، إلا أنّ التفاف الصحافيون وتجنّدهم لذلك يُعد خطوة مهمة قد تساهم إلى حدٍ كبير، الأمر الذي لمسناه في تجندهم لمحاربة وباء الكورونا ومنع انتشاره في البلدات العربيّة.

 

مع هذا الدور المُتوخى علينا الا نتجاهل الضغوطات التي يتعرض لها الصحافيون ومحاولات إسكات صوتهم من قبل منظمات الإجرام، كما حدث مع الزملاء حسن شعلان ونضال إغبارية، لكن العمل بصورة وحدوية وتقسيم ادوار المواجهة كفيل بتشكيل حصن دفاع عن جميع الصحافيين، وعن المجتمع عامةً.

 


كاتبة المقال: خلود مصالحة وهي مديرة "إعلام - المركز العربي للحريات الإعلامية والتنمية والبحوث".

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب