النّمط الغذائي الخُضْرِيّ وأهميته لمناهضة آفة العنف

الرجوع

شربل بلوطين

عالمنا وصل اليوم لمرحلة من الانحدار والعنف على جميع الأصعدة، بتنا نعيش في دوائر عدة من العنف، لكن من أصعب نماذج العنف القائمة في مجتمعنا، هو العنف ضد المستضعفين.

 

قضية الاضطهاد ضد الفئات المستضعفة والتي تشمل المرأة، المثليين والحيوانات- قضيّة واحدة لا تتجزأ، جميعها مرتبطة ببعضها البعض، منطقيًا لا يوجد تعريف لأنواع مختلفة من الاضطهاد، لأنّ كل حالة متشابكة ومترابطة مع الأخرى وتشكل جزءًا من هذه المجموعة، إذا اهتمننا بقضايا الإنسان فقط دون أي اكتراث برعاية الحيوان، فنحن نمارس نصف الدّور بالدّفاع عن المستضعفين، بالمقابل إذا كان اهتمامنا يتركز كلّه على الحيوانات بعيدًا عن الاكتراث بالبشر؛ فنحن أيضًا نمارس نصف الدّور بالدّفاع عن المستضعفين.

 

إذا لم ندرك مدى تأثير القمع على الجميع فلن نتمكن من إنهاء الظّروف التي خلقته في المقام الأوّل لأي كائن حي سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، لايزال معظم البشر يضعون قضايا الإنسان بالمقام الأوّل غير مكترثين بقضايا الكائنات الحيّة غير القادرة على التّعبير عن معاناتها والدّفاع عن نفسها، لذلك فإنّ الإساءة للحيوانات واستغلالها يكون له تأثيرًا سلبيًا على ملايين البشر، من هذا المنطلق، فإن اختيارنا أن نكون خُضْرِيّين هو انحياز لحماية الحيوان والإنسان على حد سواء. إذا تمكنا من تجنب قمع الأوّل، فلم لا نقوم بهذا مع الجميع، فلنخض النّضال موحدين من أجل جميع الضّعفاء من ذوي الإعاقة، النّساء الحيوانات والبيئة وغيرهم. ويكون نضالنا قويًا ومؤثرًا.

 

القيم الإنسانية لا تتجزأ، يجب أن نكون ضد الظّلم بأشكاله كافة لأنّ غايتنا هي الحياة في عالم خالٍ من أية محفزات تؤدي إلى العنف والقتل والدّمار.

 

من خلال ممارستي لعملي العلاجي في التّقويم، حين يصلني شخصًا يعاني من وجع في عضو ما، لا أركز على معالجة هذا العضو تحديدًا وأهمل بقية أعضاء الجسد، لأنّ كل شيء مرتبط بالآخر، الطريقة المتكاملة والفعالة لعلاج أي مشكلة تكمن من الجذور. فلو كان مجتمعنا البشري خاليًا من التّمييز النّوعي لما كان لدينا معاناة بشريّة وتمييز نوعي وكره نساء.

 

وإذا ربينا أطفالنا على أنّ العنكبوت، والقط، والدجاجة وغيرها من الكائنات، أنها كائنات حيّة غير مهمة كونها مختلفة بالشّكل فقط، فكيف سيتصرف هذا الطّفل عندما يكبر ويواجه بشرًا بأشكال، وألوان، وأحجام مختلفة، كيف سيتعلم بأن يحبهم؟ عندما يتعلم الطّفل التّفرقة والتّمييز ضد الحيوانات، ويفهم بوجود حيوانات يجب أن يلاطفها وأخرى يجب أن يأكلها، فكيف سيتعلم هذا الطّفل أن يحب المسيحي، والمسلم، والدّرزي أو اليهودي؟ هذا الأمر يتم تلقينه للإنسان منذ الصّغر، فمن غير المعقول أن يصبح الإنسان فجأة عنصريًا! فالأمر متجذر لديه منذ الطّفولة.

 

إن غرزنا في عقول أطفالنا أن السّلام يكون مع جميع المخلوقات على حد سواء، فإننا من خلال ذلك سنقضي على العنصرية وجذور الكره والقتل، هكذا سنقضي على السّرطان من الدّاخل. وإذا أردنا التّغلب والقضاء على معاناة الإنسان، يجب علينا القضاء على معاناة الحيوان، لأنّ معاناة كلّ كائن حي هي المعاناة نفسها بدون أي فرق وتمييز.

على مدار آلاف السّنين حاول البشر التّخلص من الشّقاء الذي تسببه الأمراض، والمجاعة والحروب وأنفق الكثير من الأموال لاختراع الأدويّة، ومحاربة الإجرام وتطوير السّلاح، وتصرف الكثير من الأموال على أدويّة لعلاج السّرطان.

دعونا نجرب أمرًا مختلفا، بغرز السّلام في داخلنا والتّوقف عن استهلاك أغذيّة مسببة للسرطان، وذلك اعتمادًا على تقارير لمصادر طبيّة وعلميّة من الأفضل عالميّا، لنجرب الامتناع عن استهلاك أغذيّة أساسها أجسام تعرضت لآلام ورعب، فهذا حقيقة ما يحدث في جميع المسالخ في أنحاء العالم، لم نحتار بعد ذلك، بأنّ حياتنا مليئة بالعنف وجسمنا يتعرض للإصابة بأخطر الأمراض، فلنتمعن بالطّريقة التي نتعامل بها مع الحيوان والطّريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض، على فكرة البلدان التي لا يتناولون بها لحوم الحيوانات، لا يعاني سكانها من أمراض العالم الغربي.

إذا حافظنا على تربية أبنائنا على الصّنفوية، سنقبع في نفس دائرة العنف، لذا يجب أن نشمل الحيوانات بجميع الجدل عن عدم المساواة، على كل إنسان أن يعرف حجم الظّلم الذي لا يدركه من خلال استهلاكه للطعام والشّراب والملابس، ومستحضرات يشتريها مصدرها حيواني، لذا يجب أن نكون معًا في جبهة واحدة وفي مواجهة صراع واحد، ومقاومتنا واحدة سعيًا لحقوق مشتركة.

الخُضْرِيّة هي الدّفاع عن حقوق الحيوان وحقوق الإنسان بالوقت ذاته؛ باعتبارها نمط حياة صحي جدًاـ باعتبارها مسؤولة عن انقاذ حياة ملايين البشر الذين يموتون سنويًا بسبب الأمراض المرتبطة بالمنتجات الحيوانيّة كونها تكافح التّلوث وتحد من التّصحر الذي تتصاعد وتيرته مع استمرارية تدمير الغابات لزراعة أراضيها بحبوب لأعلاف وتسمين الأعداد المضطردة من الحيوانات قبل الذّبح، وأيضًا تنهي الحاجة الملحة لتوفير المياه بكميات هائلة للحيوانات، والحبوب لإطعامها بدل استغلالها لإنهاء المجاعة في العالم.

 

أحد أهم أهداف الخُضْرِيّة هو تنشئة جيل مؤدب مهذب إنسانيًا يكترث لغيره. كيف نطالب بحقوقنا ونمنع حقوقًا عن غيرنا؟ جميعنا نشعر بالألم، لا توجد لديك أفضلية عن غيرك، لذلك يجب العمل للتخلص واستئصال كل تمييز صنفوي إن أردنا أن نقضي على العنف والعنصريّة.

 

كيف يمكن أن يتحقق الأمن مع انعدام وجود المساواة بين الأطفال، والنساء، والحيوانات في عالمنا؟ الخُضْرِيّة هي الوسيلة الأكثر فاعليّة لإقناع الرّجال أن يتوقفوا عن تحويل الكائنات الحية بما يشمل النّساء إلى سلع وممتلكات.
طالما حرصنا بالحفاظ على الجوهر بثقافة تنظر إلى الحيوانات كمجرد سلع ومصدر للغذاء، فإن الأمل بالبقاء مهدّد.

 

الممارسة المنظمة لتجاهل القمع المرتبط بوجباتنا اليوميّة هي سلسلة من الأفعال المتعمدة والموجهة من قبل الأطراف المستفيدة بهدف عزلنا عن وعينا وحكمتنا وشفقتنا وإحساسنا بالانتماء الحقيقي لهذا الكون الخلاب، هذه الخصائص التي نمتلكها يمكن أن تضمحل وأن تموت بسبب تأثير التّجاهل؛ مما يؤدي إلى القضاء على الشّفقة الكامنة في أعماق الفكرة البشريّة التي تتحكم باختيار الصّواب ونبذ الخطأ، نتيجة لهذا سيكون أن العنف الذي نتقبله تجاه كائن حي آخر سوف نطبقه على الإنسان نفسه كلما اقتضى أمر ذلك، لأننا حتى اليوم لم نعارضه بالكامل!

 

من الضروري أن تتناسب أفعالنا مع أقوالنا، بدون أي تناقض، لذلك هناك الحاجة للوضوح والتّحديد وعدم التّردد، تصبح الأمور بديهيّة وأساسيّة. نحن قادرين بالحفاظ على منظومة بيئية نقيّة، وأن نمنع تسريع تشويه المناخ من خلال استبعاد المنتجات الحيوانيّة من أطباقنا، وأن نجعل صحننا خال مئة بالمئة من الدّمار والقسوة من خلال اختيار الخُضْرِيّة.

 

علينا أن نلقن أطفالنا بأنّ العالم ليس من عدم، ونحن ضيوف على هذا العالم، وينبغي عليهم التّصرف بناء على ذلك.

 

نمط الحياة الخُضْرِيّ هو مقاومتك السّلمية للعنف والحرب وتشويه المناخ، العدالة حق للجميع.

 

أهم الأخلاقيات هي نبذ العنف على أشكاله للجميع خصوصًا للمستضعفين الذين لا يمتلكون أي صوت، لا عدل ومساواة دون خُضْرَيّة كقاعدة عالميّة. وأرجو أن يمارس الجميع الدّور بالتّغيير.

 


كاتب المقال: شربل بلوطين وهو ناشط إجتماعي خُضْرِيّ.

 

عن الكاتب بكلماته:
شربل بلوطين الذي تعرض لحادث سير مروع قبل 6 سنوات يقول: "لا وجود للمستحيل" قناعة وفرت لي الطاقة لتحقيق أهدافي والنهوض مجددًا بعد حادث دهسي الذي تعرضت خلاله لإصابة خطيرة، كانت حالتي فيها أقرب للموت من الحياة، تمكنت من المقاومة بفضل نمط الحياة الخُضُرِيّ الذي اتبعته والذي وهبني القوة التي أدهشت جميع الأطباء واسترجعت جسدي الذي تعرض لإصابات خطيرة بصورة أقوى، أيضًا قادني نمط الحياة الخُضْرِيّ إلى مسامحة الشّاب الذي قام بدهسي وكاد أن يقتلني وهرب، هذا التّصرف جاء من قيم الحياة الخُضْرّية المبنية على قيم المحبة والسّلام، فهي نهج حياة وتربيّة وقيم بدون حقد."

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب