ما بين العنف والجريمة: أين نحن من الحل؟

الرجوع

د. نهاد علي

مقدمة

يُناقش مجتمعنا العربي الفلسطيني، في الآونة الأخيرة، إحدى أهم القضايا التي تُقض مضجعه وتُشغل مختلف شرائحه وأطيافه، وهي ظاهرة العنف والجريمة المستفحلة به. ففي استطلاع حديث للرأي (2020) وبالإجابة عن السّؤال هل أنت بشكل شخصي تشعر بعدم الأمان نتيجة للعنف بالبلدات العربية؟ أجاب حوالي 82.4% من المستطلعة آرائهم بالتأكيد نعم ونعم. وفي تقرير مقارن أصدره مركز البحث والمعلومات في الكنيست كشف أنه بين السّنوات 2014-2016 سجل 310 ضحايا لجرائم قتل، أي بمعدل 100 ضحيّة سنويًا، 64% من ضحايا جرائم القتل بين هذه السّنوات هم من المجتمع العربي. كما يظهر أنه في النّصف الأوّل من عام 2017 سُجل 77 ضحية لحالات قتل 41 منهم، أي ما يعادل نسبة 53% هم عرب. هذا الواقع لم يتغير في السّنتين الأخيرتين حيث ارتفعت نسبة القتلى العرب من مجموع قتلى العنف في إسرائيل إلى 65%.

من هذه المعطيات يُستدل، بحسب التّقرير، أنّ نسبة ضحايا جرائم القتل لكل 100 ألف مواطن في كل سنة من السّنوات 2014-2016، في المجتمع العربي أعلى بخمسة أضعاف من نسبة الضحايا في المجتمع اليهودي.

إنّ ما نرى ونشاهد من مظاهر للعنف فـي مجتمعنا الفلسطيني فـي الدّاخل يدعو الجميع منا للبحث عن ماهية هذا السّلوك، وحجمه، وخصائصه، وأسبابه فهل هو وليد اللحظة أم أنه فطري وغريزي فـي طبيعة الكائن البشري؟ وسلوكه يتولد وينفجر لحظة ما، لأسباب ضاغطة ودافعة لدى الفرد.
فالعنف كأي ظاهرة مجتمعيّة، هو بحاجة إلى تعريف دقيق، وتحديد علمي ومعرفـي لمسبباته وعوامله وموجباته، وذلك لأننا لا يمكن أن نحدّد طبيعة الجذور والعوامل التي أفرزت هذه الظّاهرة دون تفسيرها تفسيرًا علميًا دقيقًا وسوف نخصّص للأسباب مقالة خاصة قريبًا.

 
التّعريف

ولوجنا لتعريف العنف أعجبني تعريف يقول: العنف هو «سلوك عمدي موجه نحو هدف، سواء لفظي أو غير لفظي ويتضمن مواجهة الآخرين ماديًا أو معنويًا ومصحوبًا بتعبيرات تهديديًة، وله أساس غريزي.

فالعنف سلوك إيذائي، قوامه إنكار الآخر كقيمة متماثلة للأنا أو للنحن، كقيمة تستحق الحياة والاحترام، مرتكزة على استبعاد الآخر عن حلبة التّغالب، إما بخفضه إلى تابع، وإما بنفـيه خارج السّاحة (إخراجه من اللّعبة) وإما بتصفـيته معنويًا أو جسديًا.

في هذا السّياق نود أن نميز ما بين العنف وما بين الجريمة، والجريمة المنظمة. الهدف من هذا التّمييز ليس انشائيًا ولا حتى نظريًا بل وظيفيًا. بمعنى أننا نؤمن بأن هناك فروق بالآليات والقدرات والطّاقات والمعرفة بين طروحات الحلول وتحمل المسؤوليّة لكل من الحالتين. ففي حال الجريمةوالجريمة المنظمة، وتطبيق القانون نرى بأنّ المسؤوليّة تقع بالأساس على الدّولة ومؤسساتها التّنفيذية مثل: الشّرطة والمحاكم وغيرها. أما بالنسبة للعنف فنحن نرى بأنّ قسطًا ليس بيسير يقع على عاتق ومسؤولية المجتمع ومؤسساته الجماهيرية والتّربوية والأهليّة وغيرها.

وجه التّشابه بين العنف والجريمة يكمن في كونهما يلحقان الأذى والضّرر بالأخرين، ولكن هناك فروق عديدة بين العنف والجريمة، وأهم هذه الفروق أنّ العنف- بأشكاله المتعدّدة والمختلفة- هو سلوك ليس بالضّرورة يخالف القانون، وبالتالي لا يترتب عليه مساءلة قانونيّة، ولكن الجريمة سلوك يخالف القانون، وبالتالي يتعرض من قام بهذا السّلوك للمساءلة القانونية. فالعنف إذا ترتب عليه مساءلة قانونية لن يعد عنفًا بل يصبح جريمة .

أحد الفروق الأخرى بين العنف والجريمة- والذي يعتبر الفرق الأوضح بينهما- أنّ العنف غالبًا ما يكون فوضويًا لا يتمتع بالطّابع التّنظيمي، فمثلاً: العنف المتمثل في التّوبيخ- الذي يسبب آذى معنوي ونفسي- لا يأخذ شكلًا تنظيميًا، ولا يوضع له خطة مسبقة. أما الجريمة فتأخذ شكلًا تنظيميًا نوعًا ما، فمثلًا: إذا أراد سارق أن يسرق شخصًا ما، فعليه أنّ يخطًط لذلك، كمن الذي سيسرقه، وما الذي سيسرقه؟ وهكذا.

 
العنف في المجتمع الفلسطيني بالدّاخل: تأطير نظري

إن استمرارية استفحال العنف في المجتمع العربي وانحساره ، وتراجع نسبته في المجتمع اليهودي في نفس أنواع الجريمة أثارت ردود فعل وتفسيرات ونظريات بدايتها حاكت مكانة العرب المنخفضة والهامشية في اسرائيل وخاصة على سلم أولويات الحكومة والشّرطة؛ تمييز إقصاء وإهمال مقصود من قبل السّلطات في إسرائيل ونهايتها في تبني "نظرية المؤامرة". بين المواطنين العرب هنالك شعور متزايد بأن شرطة إسرائيل أعطت المواطنين العرب "إدارة ذاتية" في إدارة الجريمة. من ناحية أخرى نجد أنّ عند العديدين في المجتمع اليهودي وخاصة ضباط كبار في الشّرطة طوروا تفسيرات وتصورات مناقضة لتلك الرائجة في المجتمع العربي، ومفادها أن مهما استثمرت الدّولة والشّرطة من جهود لمكافحة الجريمة فلن تأتي بالنتائج المرجوة لاعتقادهم أنّ الجريمة متواجدة عميقًا في ثقافة العرب. هؤلاء تبنوا عمليًا نظريّة "العنف الثقافي".

سواء صحت النّظرية أم لا؟ استفحال العنف في المجتمع العربي يلزم جميع من له صلة ببذل الجهود وشحذ الهمّم والمشاركة بخطوات عدة منها: استحداث تفسيرات بنيويّة شموليّة لمعالجة هذه الظّاهرة، بناء خطّط حكومية شاملة لمواجهة العنف وفي نفس الوقت هنالك حاجة إلى خطة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مميزات الثّقافة العربيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، استحداث وسائل وآليات علاجيّة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقة الحساسة جدًا بين المواطنين العرب، وشرطة إسرائيل وخاصة الإساءة التي حصلت في هذه العلاقة في أعقاب انتفاضة الأقصى أكتوبر 2000. هذه الحلول لا تعفي من المسؤوليّة دور المجتمع العربي وقيادته في مواجهة هذه الظّاهرة.

 
أين نحن من الحل؟

كما أسلفنا آنفًا، لا يملك مجتمعنا الآليات، والسّبل، والقدرات، والوسائل ولا حتى الشّرعية القانونيّة لمحاربة الجريمة. ولكن، تقع على عاتقنا مسؤوليّة كبيرة في مجابهة العنف بكلّ أشكاله. ونحن نعتقد أن مجتمعنا مقصر كثيرًا بهذا الدّور.
هنالك آليات ومقترحات عديدة لمواجهة العنف عُرضت واقتُرحت عن طريق باحثين ومربين. هنا أود أن اقترح نظريّة بسيطة لمواجهة العنف في مجتمعنا.

 

نظرية النوافذ المحطمة

نظرية النّوافذ المحطمة هي نظرية في علم الجريمة لإرساء القواعد، والإشارة إلى تأثير الفوضى والتّخريب على المناطق الحضريّة المتمثلة بالجرائم والسّلوكيات المعادية للمجتمع. نظرية النّوافذ المحطمة هي نتاج فكر المُنظرين (واضعي النّظريات) في علم الجريمة: جيمس ويلسون وجورج كيلنج. النّظرية بسيطة للغاية، ويمكن تعريبها إلى الكبائر تبدأ بالصّغائر، أو عظيم النّار من مستصغر الشرّر، أو صغائر الأمور بدايات عظائمها. يرى المنظران أنّ الجريمة هي نتاج الفوضى وعدم الالتزام بالنّظام في المجتمعات البشريّة. إذا حطم أحدهم نافذة زجاجيّة في الطّريق العام، وتُركت هذه النّافذة دون تصليح، فسيبدأ المارة في الظّن بأنه لا أحد يهتم، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولى زمام الأمور، ومنه فستبدأ نوافذ أخرى تتحطم على ذات المنوال، وستبدأ الفوضى تعم البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلى الشّارع، ومنه إلى المجتمع كلّه. لا تقتصر النّظرية على النّوافذ المحطمة، بل تشمل السّيارات المهجورة، ومراتع القمامة، والأركان المظلمة من الحواري والطّرقات. وقد تكون البداية من مشكلات بسيطة نسبيًا مثل الفوضى العامة، لكنها في الواقع تمثل دعوات إلى المزيد من الجرائم الخطيرة. فكم من شيء بدأ كمشكلة بسيطة ثم تتطور في تعقيدها بعدّد من المراحل والدّوائر، لتصبح نقطة تحول لنوع من الجرائم الخطيرة المنظمة، فيجب أن تردع تلك الأفعال من البداية قبل تفاقمها وتطورها وأخذها منحنيات أخرى.

في الثّمانينيات من القرن الماضي، كانت مدينة نيويورك تُعتبر مدينة جريمة مع حوالي 2000 جريمة قتل في العام و600000 حالة جريمة خطيرة أخرى كلّ عام. خلال التّسعينيات، انخفض حجم الجريمة إلى حد كبير. واحدة من التّعبيرات للجريمة في المدينة في ثمانينات القرن الماضي كانت محطات المترو. في المتوسط، كان هناك حوالي 20000 جريمة شملت الاعتداءات والتّهديدات والسّطو على مدار السّاعة. كانت معدلات التّهرب مرتفعة وتسببت في خسائر هائلة لحركة المرور. تم إهمال منصات المحطة وتظليلها وتغطيتها بالكتابات، وتم تخريب العربات نفسها وتخريب التّدفئة في فصل الشّتاء والتّبريد في فصل الصّيف. اندلعت الحرائق كل يوم على مسار القطار.

في منتصف الثّمانينات، كجزء من إعادة بناء نظام السّكك الحديديّة، تم تعيين مدير جديد للمترو، هو ديفيد غن. قرر "Gunn" التّعامل مع مشكلة الكتابة على الجدران وليس المشاكل الكبيرة حقًا! أثار الكثير من التّساؤلات، لكنه أصر على أن الكتابة على الجدران ترمز إلى انهيار النّظام بأكمله ودون معالجة جذر المشكلة، فإن الإصلاحات والتّغييرات في المستويات العليا لن تساعد، على الرّغم من أن لديه ميزانية تكفي لتحريك أي عملية يريدها. لهذا الغرض، تعلم طريقة رش الكتابة على الجدران من مثيري الشّغب، وأعطى تعليماته لرجاله بطلاء كلّ الرّسومات التي يضعها المشاغبون بشكل يومي، لدرجة أنّ الأولاد بكوا ببساطة. كانت رسالة غن ورجاله واضحة- عملك لن يكون شيئًا ولن ترى ضوء النهار أبدًا؛ وسوف نقوم بإلغائه قبل الصّباح.

في عام 1990 تم تعيين وليام بيرتون رئيسًا لشرطة المرور واستمر في عمل غن. وركز عمله على القضاء على التّهرب من الأجرة في القطار. هنا أيضًا، كان هناك من ظنوا أنه لا جدوى من إضاعة الموارد في محاربة ظاهرة لا تكلف كثيرًا (1.25 دولارًا لكل تذكرة) بينما وقعت جرائم أكثر خطورة في مجمع مترو الأنفاق. لكن بيرتون، أيضًا اعتمد على نظريّة النوافذ المكسرة. نفذ بيرتون رقابة صارمة وتابع من لا يدفع ثمن التّذاكر وتقديمهم للمحاكمات وتغريمهم. في عام 1994، عندما تم انتخاب رودولف جولياني عمدة نيويورك، تم تعيين بيرتون قائدًا إقليميًا لشرطة المدينة واستمر في الاستراتيجيّة في دوره الجديد. مطاردة الجرائم الصّغيرة وفرض عقوبات. أدت هذه الاستراتيجية إلى انخفاض فوري وحاد في معدلات الجريمة، سواء في المدينة أو في جوارها.

بحسب النّظرية يجب على المرء أن يتعامل بحزم مع كل مخالفة صغيرة ومعاقبة منفذيها- نافذة مكسرة هي المثل هنا. مثل هذه المعاملة من شأنها أن تبعث برسالة للمحافظة على القانون وتسببت في انخفاض في الجرائم الخطيرة. تضمن تطبيق النّظرية فرض تطبيق صارم ضد أولئك الذين يرتكبون جرائم بسيطة مثل الكتابة على الجدران، والتسول، وعبور الطّريق دون معبر مخصّص لذلك، وما شابه.

النّظرية كما وصفناها سهلة وقابلة للتطبيق ويمكن تعريبها لمجتمعنا بشرط التّعاون بين الّسّلطات المحليّة والمركزيّة.

 


كاتب المقال: د. نهاد علي وهو رئيس قسم "المجتمع العربي" بمؤسسة شموئيل نئمان في التخنيون ورئيس مركز أبحاث التعددية الحضارية بأكاديمية الجليل الغربي وجامعة حيفا.

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب