حين يغتالنا العالم: الغائبات الحاضرات!

الرجوع

هاجر أبو صالح طيبي

بابتسامة خجولة وصوت خافت أكاد لا أسمعه، جلست (ر) أمامي مُكرّرةً تَرحابَها، فانتابتني رعشة غريبة. أنظر إلى وجه (ر) وأشعر بأنّني أنظر إلى وجه (س)، رغم أنّها دُفنت قبل 5 سنوات! ذات الملامح وذات العينيْن. أذكّرُ نفسي مُجدّدًا بأنّني أجلس مقابل أختها الوسطى ولا بدّ من الشَّبه بينهما.

"كيف بدّي أنسى هذاك اليوم"، أجابت (ر) على سؤالي حول ليلة الحادثة ونقلت شهادة أختها (ل): "كانت الدّنيا كثير مطر، لفَّت أختي على ذيال البيت وكانت تصرخ باسمها... شافت قزاز سيارتها مغبّش وعرفت إنها جوّاتها. قزاز السيارة كان مطبّش من الرصاص. أختي بقت تمسح القزاز بإيديها اللي كلهن دم لحتى شافتها. مش رصاصة ولا ثنتين… في وحدِه بنُص راسها تغلّبنا لما حمّمناها وغطّينها بالمنديل".
يخفتُ صوت (ر) بين حين وآخر؛ كيف لي أن أطلب منها أن ترفع صوتها وأنا التي أرى كلماتها تنَزِف قبل أن تسقُط على مسمعي؟ الخجل يعتريني مُجدّدًا...

 
قصّة لم يسمع عنها أحد

(س) امرأة بحجم السّماء- أعرفها جيدًا وإن لم ألتقِها. خاضت أولى معاركها باسم الحبّ مُتحدّية الأعراف المجتمعيّة بعد زواج من اختيار قلبها، رغم امتعاض العائلة. لكنّ طبول معركتها الثّانية دقّت سريعًا، حين انغرزت سيوف الخيانة في قلبها الدّامي؛ فشريك دربها آثرَ امرأة أخرى من بلدة مُجاورة، خاضت طلاقًا داميًا وجَولاتٍ بين أروقة المحاكم، معركة يعتبرها الرّجل العربيّ فرصة لإراقة الدّماء الأخيرة... كيف لا وهي التي تجرّأت على أن تثأر لنفسها بالطلاق؟

حياة جديدة لم تعتَدها (س) من قبل؛ عليها الآن تأمين أُجرة بيتٍ خالٍ من ضحكات أبنائها الذين آثروا البقاء مع والدهم، وعليها أن تعتاد ذلك أيضًا. لكنّ (س) تشبّثت بخيوط أمل رأتها في شِباك رجل آخر، هذه المرة من دون حبّ أو روايات وردية علّها تحمل بعضًا من السّلام لا أكثر. لم تتأخّر العلامات الزّرقاء حول العين بالظّهور كما أنّ كدمات الجسد الهزيل لم تختفِ. تدقّ الطُبول من جديد، فلا بُدَّ من الطّلاق! تهديد بالقتل يلوحُ في الأفق، ومركز الشّرطة الأقرب أصبح يعرِف الصّوت والنداء: "ها أنا أناديكم قبل فوات الأوان".

في المشهد الأخير، (س) مُضرّجة بالدّماء في ساحة بيتها، الإبهام قابض على جهاز التحكّم عند مدخل البيت، لم يُفتح الباب وبقيتْ خارج المدار الزمنيّ لهذا العالم. الطّليق وراء القضبان لثلاثة أشهر لا غير، وهو حُرٌّ الآن ولا يوجد مُتهم آخر، نهاية قصّة لم يسمع عنها أحد.

 
حين تتخلّى الحياة عن نِسائها...

أذْكُر جيدًا حين أخبرتني الجارة بأنّ ابنة (ن) كانت ترقُصُ في زفاف والدها من امرأة أخرى، بعد مقتل والدتها بشهرٍ لا أكثر، مُلتزمة بكُلّ مظاهر الفرح. طفلة بكامل زينتها عدا الابتسامة؛ ترقُصُ على أنغام الفاجعة وتتدارك دموعها! وفي رواية أخرى، أخبرتني صديقة (ن) بأنّ عائلتها رفضت استقبال جثمانها لإتمام شعائر الدّفن مُضيفةً: "منعملهاش بيت عزا يا ويلي عليها"، وهي الّتي خسرت مكانها في كنف العائلة بعد أن تحدّت القوانين والأعراف، خلعت الخمار وارتدت حجابًا على الموضة، يا لذنبها!

حدّثتني أخرى مُستحضرة ما حدث بعد القتل بساعات: "وصلني مَغزى إنه أَضُبْ الطّابق، وحَسّيت إنه الكل بِدُّه يْضُبْ الطّابق ومَتِنْجَبِشْ السّيرة، أنا تْسَكّتِتْ وغيري تْسَكّتْ. ولا كإنها كانت موجودة بالدُنيا". الصّحف المحليّة أزالت خبر مقتلها بعد أيام خوفًا من تهديدات القاتل، وهكذا دُفِنَتْ (ن) وأعوامها الأربعين عميقًا في حفرة النسيان، لا ذِكْرَ لها في القرية أو الحارة. لم تَسْتَحِقْ (ن) دموعَ والدتها أو رثاء ابنتها، فالقبضة الحاكمة حكمت عليها بالفناء.

 
لا مكان لي في هذا العالم

هربت (و) من أهوال الفقر في أراضي الضّفة المُحتلة ليلقاها الموت في الضّفة الأخرى. أخبرتني الجارة بأنّ زوجها "عصبي وإيده فِرْطَه"، وأسهبت مُفسّرة تبعات ذلك: "زي ما بتعرفي، بنات الضّفة بتجوّزوا مين ما كان". عبارة تُذكّرني كيف يكون احتلالُ الأرض والإنسان، أكملتْ: "كانت خَدومة"، هكذا وصفت الجارة علاقة (و) بمحيطها وطأطأتْ رأسها مُستَذكِرةً ساعاتٍ كثيرةً من التّنظيف وتلميع الأواني وبعض الشيكلات التي جَنَتْها (و) في أيّامها الأخيرة. "كانت غصّة... شعرنا إنّه موتها طعنة كبيرة بالظّهر". ثم تسارعت أنفاسها وآثرتِ الصَّمت هذه المرّة.

عملت (و) كما الكثيرات في الأعمال المنزليّة لِجَنْي بعضٍ من فتات العيش الكريم، ونَجَحَتْ -كالقليلات- ببناء بيت العمر الصّغير: بيت وحديقة في أطراف البلدة دأبت على رَيِّها كُلَّ صباح، عدا ذلك اليوم. عشرات الطّعنات في الرّقبة والخاصرة ودماء لطّخت جدران البيت، ستقوم بتنظيفه امرأة "خدومة" أخرى.

 
أسماءٌ من دون ملامح

عَلَيّ أن أتمالك نفسي بعد كُلّ شهادة قَصّتْها أمامي قريبةٌ لامرأة قُتلت غدرًا. لكلّ منهنّ رواية، وأصواتهنّ في حنجرتي تُدوّي بعد كُلّ لقاء: "أخبري العالم بما لم نخبرهُ، اُصرخي صرختنا التي دُفنت في العدم، قومي من عجزك فلا مكان للنحيب!" غير مرئيات، حَضَرْنَ إلى هذا العالم وَرَحَلْنَ من دون ضجيج. جَمَعهنَّ المصير المُحتوم، رصاصةٌ في الجبهة أو طعنة في الخاصرة. لا أحد يرى الملامح الحزينة خلف الأسماء، لا أحدٌ مِنّا يدُرك حجمَ الفاجعة.

دروب طويلة مشَتْها تلك النّساء، شائكة ومُعتمة، أضأنَها بالأحلام والأمنيات، هذه كانت ماهرة في رياضة ما، وتلك عانت كثيرًا لتنجب الأطفال، تلك أحَبّت الربيعَ وأخرى عاشت تعشقُ التّرحال والسّفر. ملامحهنّ الكثيرة اُختُزلت في خبر صحيفة سرعان ما اختفى: "مقتل امرأة واختفاء كُلّ النّساء".

استباحتنا الأرضُ وتوحّدت فوق جُثثنا القبيلة مُسَجِّلةً انتصارًا على نفسها، تَنَكّرَتْ لنا الحياةُ وعَلِقنا في رحمها بين مخاض ومخاض... تُقتل امرأة فأسمعها أنا، تُحدّثني مرارًا وتسأل: لماذا جنازاتُنا هزيلة ونحن الشّهيدات؟ كيف وُصِمنا بالعار وفوق أيادينا نبتت الحضارة ومن يثأر لهذه الدماء؟ لماذا اغتالنا العالم ونحن مرافئ السّلم والأمان؟

لن تسعفني أو تسفعهنّ الإجابات، تائهات في فضاء العدم نبقى حتى حلول القصاص. كيف لنا بالقصاص والجميعُ مُذنب؟ يسأل العدلُ: من أين يبدأ الحساب؟ فليبدأ الحساب من الحارة والشّارع والبيت، رُبما بيت (و)... بيتٌ صغير في أطراف القرية خّبّأ سنواتها الطّويلة من الشّقاء والتّعب وصرخاتها المكتومة، علّها تصدحُ يومًا مِلءَ السّماء: "ها أنا أحاسبُكُم".

تأتي هذه الشّهادات من تجربة صعبة ممزوجة بمشاعر لا يمكن وصفها، خضتُها ضمن عملي في جمعيّة "كيان" لتوثيق قصّص نساء مغدورات ضحايا القتل، حيث التقيتُ أفرادًا من العائلة والمقرّبين للضحيّة وسمعت شهاداتهم. ويأتي هذا في سياق نضال الجمعيّة لمناهضة العنف ضدّ النساء، وتسليط الضّوء على ظاهرة قتل النّساء، من خلال تقرير شامل أعدّته الجمعيّة ويبحث الظاهرة عبر مستويات عدة، من ضمها تسليط الضّوء على رواية عائلات الضّحايا والمحيط القريب منهنّ.

 
مَن هُنَّ؟

(ر) أخت ضحيّة قُتلت عام 2015
(س) قُتلت عام 2015. القاتل مجهول ولم تُقدّم لائحة اتهام ضدّ أحدٍ للآن.
(ل) أخت الضحيّة (س). كانت حسب الشهادة أوّل من عثر على جُثة الضحيّة.
(ن) قُتلت عام 2020. القاتل مجهول ولم تُقدّم لائحة اتهام ضدّ أحدٍ للآن.
(و) قُتلت عام 2020. أدين زوجُها بقتلها طعنًا في بيتها.

 


كاتبة المقال: هاجر أبو صالح طيبي وهي عاملة اجتماعيّة ومُوجّهة مجموعات؛ ناشطة سياسيّة وجماهيريّة ومُركّزة مشاريع في جمعيّة "كيان- تنظيم نسويّ".

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب