شباب القدس من الحضيض إلى القمة

الرجوع

د. مصلح كناعنة

طوال 16 عاماً، كنت أُدرّس مساقاً يدعى "مناهج البحث الكيفي" للطلاب في ماجستير علم الاجتماع وماجستير علم النفس المجتمعي في جامعة بيرزيت. وكان أحد متطلبات هذا المساق القيام ببحث ميداني ينتهي بتقديم تقرير بحثي مكتوب يتراوح حجمه بين 20 و100 صفحة، بحيث تتوفر فيه كل مقومات البحث العلمي التي كنت أُدرّسها للطلاب وأُمرّنهم عليها في فصل دراسي كامل.

في كل من برنامجيّ الماجستير هذين، يكون دائماً 3-5 طالبات من القدس، أما الطلاب الذكور من القدس فلا يلتحقون بهذين البرنامجين إلا فيما نَدَر. هذا يعني أنني كنت دائماً أتعامل في هذا المساق مع طالبات شابات من مدينة القدس والبلدات المحيطة بها. وبسبب صعوبات التنقل بين مناطق الضفة الغربية (خصوصاً للصبايا في عمر طالباتي)، كان من المتفق عليه ضمنياً أنَّ كل طالبة تقوم ببحثها الميداني في بلدتها أو منطقة سُكناها.
وأذكر أنه من أصعب المشاكل التي كانت تواجهني، وكنتُ دوماً أتصارع معها في هذا المساق، هو إقناع الطالبات من القدس القديمة بإجراء أبحاثهن الميدانية في القدس القديمة، إن كان داخل الأسوار في البلدة القديمة أو في الأحياء خارج السور مثل الشيخ جراح ووادي الجوز والمصرارة وجبل المكبِّر، فكانت طالبات القدس تتهربن من ذلك وتفضلن إجراء البحث في إحدى القرى أو المخيمات المحيطة بالقدس كالعيساوية والعيزرية وشعفاط وبير نبالا وبيت حنينا، أو حتى في رام الله أو بيرزيت حيث يمكنهن التواجد يومياً والتحرك بسهولة. وخلال محاولتي الدؤوبة لإقناعهن بذلك، كُنَّ يستقصين الإمكانيات ويتشاورن مع أقربائهن وحتى يحاولن البدء في المشروع، ثم يعدن إليّ قائلات أن ذلك مستحيل، أو أنَّ بحثهن لن يكون ناجحاً بالشكل الذي كنَّ يطمحن إليه. وهكذا فإنني خلال 16 عاماً من التدريس لم أنجح إلا بإقناع أربعٍ فقط من طالبات القدس القديمة بإجراء أبحاثهن في القدس القديمة.

والسبب في هذا الإحجام العنيد يعود في الأساس إلى ثلاثة أمور: أولاً، الاقتناع بأن مجتمع القدس القديمة وصل في شذوذه وانحلاله وخرابه إلى حد لا يمكن إصلاحه ولا حتى فهمه بشكل علمي منطقي (وهذا ما كنت أحاول أن أقنعهنَّ بعدم صحته)، وثانيا، الشعور الطاغي بفقدان الأمان، الذي كان يصل حد خوف الطالبات الفعلي على حياتهن، من العنف والإجرام والتزمُّت الذكوري المتفشي بين شباب القدس، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى من الرقابة المخابراتية الإسرائيلية التي تنخر جسد المدينة وترصد كل حركة وهمسة في زقاقاتها ومحلاتها، فلا ترحم من لا تروق لها تصرفاته فتعتقل، وتعذب، وتسحب الهويات، وتصادر الممتلكات. أما الأمر الثالث فهو عداء جزء كبير من أهل القدس للطالبات ورفضهم التعامل مع صبايا يأتين من الجامعات ويجُبن شوارع القدس يتحدثن مع مَن هبَّ ودبّ من الناس ويطرحن عليهم أسئلة غريبة ملغومة. أذكر كيف أن إحدى طالبات القدس لم تستطع منع دموعها من الانهمار وهي تشكو لي: "مجرد أن قلتُ لهم أني أدرس علم نفس، أخذوا يضحكون مني ويتغامزون عليّ، ثم قال لي أحدهم: شو بدك من هالحكي الفاضي؟ جايات تطّبقوا علينا نظريات الغرب الكافر! إحنا صحيح ماكلين هوا، بس عنا الدوا الوحيد لكل المشاكل. لو صابتك أكبر مصيبة بالدنيا، افتحي القرآن واقرأيلك شي ساعتين فيه بتختفي كل مشاكلك."
إن أبحاث طالباتي الأربع والأبحاث العلمية الأخرى التي أجريت في القدس خلال السنوات العشر الأخيرة، تشير بوضوح إلى أن المجتمع المقدسي (وبالأخص جيل الشباب) يعاني من عدد كبير من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تطغى على السلوكيات والجو الحياتي العام في المدينة، ويتلخص أهمها في التالي:
1) جرعة هائلة من الأسرلة، في اللغة واللبس والمظهر العام كما في السلوك اليومي والعلاقات وحتى في العادات والأذواق والقيم.

2) انتشار وبائي للمخدرات بمختلف أنواعها، خصوصاً في المدارس، من خلال شبكات محلية تنتهي خيوطها دائماً في الجانب الإسرائيلي.
3) نزعة قوية إلى العنف، تتمثل في السلوك في المدارس والشوارع وأماكن اللعب وتجمّعات الشباب، وحتى في العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل، وهذا يشمل أعمال النَّشل والسرقة.

تحت هذه الطبقة السلوكية الظاهرة على السطح، تكمن ظواهر نفسية إشكالية مثل التوتر الشديد، والإحباط، والضياع، وتشرذم الهوية، وضعف الروح الجماعية.
وبالعودة إلى أبحاث طالباتي المقدسيات، أريد أن أركز هنا على ظاهرتين بالغتي الخطورة يكثر الحديث عنهما ومناقشتهما بأعصاب مشحونة داخل المجتمع المقدسي إلا أنَّ أفراد المجتمع يفعلون المستحيل لمنع تسرُّب أنبائهما إلى المجتمع الخارجي أو إلى وسائل الإعلام.

الظاهرة الأولى هي لجوء أعداد متزايدة من نساء القدس الفلسطينيات إلى الشرطة الإسرائيلية للاشتكاء على أزواجهن أو أفراد أسرتهن من الرجال الذين يُعنفونهن. معظم هؤلاء النساء يفعلن ذلك من خلال الاتصال بالشرطة الإسرائيلية هاتفياً، والبعض يذهبن إلى أحد مراكز الشرطة المحيطة بالمدينة لتقديم الشكوى، وفي بعض الحالات كانت المرأة تهرب من البيت وتشتكي لأول شرطي تلتقيه في الطريق أو على أحد الحواجز، وبالطبع تسارع الشرطة الإسرائيلية إلى اقتحام البيت وإلقاء القبض على الرجل المعتدي. ويكاد يكون هناك إجماع بين الناس على الربط بين هذه الظاهرة "المقيتة" وبين انتشار المخدرات الذي يدفع الرجال المدمنين إلى ابتزاز زوجاتهم وأمهاتهم واللجوء إلى العنف المفرط في التعامل معهن. ومع ذلك فإن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، رجالاً ونساءً، يعتبرون هذا السلوك خيانة لا تغتفر؛ خيانة للرجل، وللمجتمع، وللوطن بتسليم رجاله إلى أعدائه. ويعتقد المعظم أن المؤسسة الإسرائيلية تشجع نساء القدس وتحرضهن على ذلك بقصد إضعاف الروابط الأسرية وتمزيق العائلة وتسديد طعنة قاتلة لرجولة الرجال في المجتمع المقدسي. إلا أن النساء المعنفات أنفسهن يرفضن هذا الاتهام بالانحلال والخيانة، ويدعين أنهن لا يلجأن إلى الشرطة الإسرائيلية إلا في الحالات القصوى، حين يتكرر عنف الرجل عليهن ويتفاقم حتى يتخطى مقدرتهن على الاحتمال ولا يجدن لهن في المجتمع من مجير أو نصير، فلا يبقى من مخرج لهن سوى استغلال الفرصة التي يتيحها لهن القانون الإسرائيلي بالشكوى على أزواجهن للشرطة الإسرائيلية. وبغض النظر عن الدوافع والمقاصد، فالحقيقة أن هذه الظاهرة كانت قد أصبحت مصدراً لكثير من التوتر والتنافر والصراعات الداخلية في المجتمع المقدسي.

الظاهرة الثانية هي الزواج المختلط بين أهل القدس وأهل الضفة. ومع أن هناك عدد قليل من نساء الضفة متزوجات من رجال مقدسيين، فإن الظاهرة المقلقة التي نتحدث عنها هنا هي الأعداد الكبيرة من رجال الضفة (حاملي الهوية الخضراء) المتزوجين من نساء مقدسيات (حاملات الهوية الزرقاء أي الهوية الإسرائيلية). ليست لدينا إحصائيات دقيقة حول هذه الظاهرة، ولكن بالحكم من تقارير المحامين وسجلات المحاكم يمكننا القول أن حالات نساء القدس المتزوجات من رجال من الضفة هي بالمئات. عدد ضئيل من هذه الزيجات ناجم عن علاقات حب أو تعارف بين شباب من الضفة وصبايا من القدس ممن يدرسن في الجامعات الفلسطينية أو يشتغلن في مكاتب المؤسسات الحكومية أو الأهلية في منطقة رام الله، ولكن الأغلبية الساحقة تكون ناجمة عن سعي شباب الضفة الحثيث للزواج من نساء من القدس طمعاً بالهوية الزرقاء (الإسرائيلية) كوسيلة سهلة للهروب من البطالة والفقر في مناطق السلطة الفلسطينية والحصول على الامتيازات المادية الكثيرة التي تأتي بها هوية القدس، كالرواتب العالية (التي تبلغ أحياناً خمسة أضعاف رواتب الضفة) ومخصصات الأطفال والتأمين الصحي وغيرها، ولقد رصدنا هذه الرغبة للزواج من حاملات الهوية الزرقاء لدى عدد كبير من شباب الضفة. والواقع أنه بمجرد حصول زواج كهذا تبدأ المرأة المقدسية بإجراءات تقديم طلب "لم الشمل" في مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية في القدس. وبسبب ارتفاع سقف التوقعات مقرونا بالجهل بحقيقة الأمور، تنتهي كل هذه الزيجات تقريباً بكوارث يروح ضحيتها نساء القدس وأطفالهن، بسبب رفض السلطات الإسرائيلية منح حق لم الشمل، أو المماطلة في معالجة طلب لم الشمل وحصول الرجل على الهوية الزرقاء لفترات قد تصل إلى عشرة أعوام أو أكثر، ما يعني أن الزوج يبقى في الضفة وتبقى الزوجة مع أطفالها في القدس فلا يلتقيان إلا في زيارات قليلة تقوم بها الزوجة المقدسية إلى زوجها في الضفة، وكثير من هذه الزيارات تكون مشحونة بالاستياء بحُكم الفارق الثقافي الشاسع بين الزوجة المقدسية وأهل الزوج من الضفة وما يحمله كثير من هؤلاء من أفكار مُسبقة سلبية ووصمات عن فتيات القدس، وبسبب الفرق الكبير في مدخولي الزوج الضفاوي والزوجة المقدسية التي تعيل أطفالها لوحدها، علماً بأن الزوجة لا تستطيع الانتقال للعيش مع زوجها في الضفة لأنها ستخسر هوية القدس بدلاً من أن تمنح هذه الهوية لزوجها، وعلما بأن السلطات الإسرائيلية غالباً ما تهدد بقطع المخصصات عن الزوجة وأطفالها أو بحرمان الأطفال من هوية القدس أو بسحب الهوية من الزوجة وأطفالها وطردهم إلى الضفة الغربية. وفي كل الحالات تقريباً يؤدي هذا الوضع إلى تراكم المشاعر السلبيةُ، ثم الصراع، ثم الإحباط، ثم اليأس والمعاناة، وبالتالي ينتهي الأمر إما بالطلاق، وإما بالقطيعة التامة مع انفراد المرأة بإعالة نفسها وأطفالها، وإما بدوام حالة من الكر والفر تكون في الأغلب مشحونة بالعنف الجسدي والنفسي. وبالنتيجة فإن هناك مئات من النساء في القدس وضواحيها عالقات مع أطفالهن في هذا الوضع المأساوي الذي ينعكس بالتالي على المجتمع ككل.

كل هذه الظواهر السلبية الهدامة المستفحلة في المجتمع المقدسي، أوصلت الباحثين والناس عامة، بما فيهم أهل القدس أنفسهم، إلى نوع من الاقتناع بأن مجتمع القدس وصل في انحلاله وخرابه إلى نقطة اللاعودة، وبأن شباب القدس ضاعوا وضاعت هويتهم الوطنية وربما خسرتهم القضية الفلسطينية إلى الأبد.

ثم تأتي أحداث الشيخ جراح والمسجد الأقصى في بداية هذا الشهر (أيار 2021) فنرى من بطولات شباب القدس وفتياتها، ومن روحهم الوطنية وحسهم الجماعي ورغبتهم الصادقة في النضال والمقاومة والتضحية بالذات ما يصعقنا تماماً ويجعلنا نعيد حساباتنا في كل شيء.

كلنا نعرف الشيخ الذي انفجر في خطبة الجمعة وهو يقول معلقاً على شباب القدس بالذات: "شبابنا بسكروا، بس مْلاح!" ومع هزلية هذا المشهد وسُريالية هذا القول، فإنه يختزل بكلماته القليلة الساذجة جوهر الموضوع ويكشف عن صُلب الحقيقة التي لا يَسُرنا أن نعترف بها، ألا وهي أن عدداً كبيراً من الشباب المقدسيين الذين أبدوا أسمى آيات البطولة والحميّة الوطنية في أحداث الشيخ جرّاح والأقصى هم نفس الشباب الذين ذكرناهم حين كنا نتحدث أعلاه عن الضحايا المحطمة للظواهر السلبية الخطيرة التي استشرت واستفحلت في المجتمع المقدسي الخاضع للاحتلال الإسرائيلي الصهيوني العنصري. كيف نفسّر هذا على المستوى النظري؟ وكيف نجعل هذه الأحجية قابلة للفهم بحيث يزول ارتباكنا وتزول صدمتنا؟
أعتقد أن المفتاح يكمن في تفكيك الهوية الوطنية إلى مركبات ثلاثة على ثلاثة مستويات: مستوى الوعي، ومستوى السلوك، ومستوى الشعور بالانتماء:

فالوعي الوطني يمكن أن ينحرف، ويتشوّه، وحتى أن يتحوّل إلى أن يختفي ويُستبدَل بغيره. والسلوك الوطني كذلك يمكن أن ينحرف ويتشوّه إلى أن يتحوّل إلى تحطيم الذات. ومع ذلك فإن الشعور بالانتماء إلى الوطن هو الذي يبقى متجذراً في أعماق الذات، هناك حيث ينمو ويزداد، وهو ينمو ويزداد أكثر وأكثر كلما انحرف الوعي وتشوَّه السلوك.

هذا الشعور التلقائي العفوي الباطني الذي يكمن فيما هو خلف الوعي والسلوك وما هو تحت الوعي والسلوك، هو شعور أوّلي متجذر في الدقائق البسيطة للحياة اليومية، في نمط الحياة مع الجماعة في الوطن، مُستمِداً محتواه ونكهته من الموروث الحضاري المُعاش عبر آلاف السنين.

هذا الشعور الأولي اللاواعي بالانتماء إلى الوطن، والذي ينمو ويزداد نضجاً وتجذراً في أعماق الذات، ينتظر الانفجار واكتساح الوعي والسلوك حين يصطدم بنقيضه، حين يتعرض للصدمة الناجمة عن إدراك مدى الكراهية والحقد والرغبة في الإفناء لدى "الآخر"، لدى عدو الوطن وأهله وكل ما فيه، وهو إذا انفجر فإنه يكتسح الوعي والسلوك ويعيدهما إلى مسارهما الصحيح.

هذا هو التفسير لما نشهده الآن من الهبة الوطنية الملتهبة لشباب القدس (وشباب الداخل الفلسطيني) ممن كان الجميع يظن أنهم انحرفوا وتشوهوا حتى أضاعوا بوصلة الوطن، وأن الجهل والأنانية والتميُّع في هوية الآخر (الأسرلة) والتزمت في انتماءات بديلة (الأسلمة) والمغالاة في تخريب الذات (العنف المجتمعي) قد أفسدتهم وأضاعتهم إلى الأبد.

كل نظريات الهوية التي تحصُر نفسها في الوعي الجمعي والإيديولوجيا السياسية والهويات المتخيلة، تفشل فشلاً ذريعاً أمام ما يحدث في القدس في هذه الأيام. كل هذه النظريات الأكاديمية العظمى التي تُسطح هذا الثالوث الهرمي للهوية الوطنية، تفشل في فهم ما يحدث لأنها تتجاهل هذا العنصر الوجودي الأولي النابع من عراقة الالتحام الحياتي اليومي الدائم بين الإنسان والأرض، وبين الإنسان والإنسان على هذه الأرض، والذي أدعوه هنا "الشعور الأولي بالانتماء".

لقد عثر شباب القدس أخيراً على السبب الفعلي الحقيقي لتشوهاتهم وضياعهم، ولما عانوه طويلاً من القهر والإحباط المقرون بالغضب، فوجهوا فوَّهات قهرهم وغضبهم في الاتجاه الصحيح. 

 


كاتب المقال: د. مصلح كناعنة وهو باحث ومحاضر في مجالي علم الانسان وعلم النفس في جامعة بير زيت، حاصل على شهادة الدكتوراه بامتياز في علم الإنسان من جامعة بيرغن في النرويج وله خمسة كتب وأكثر من 30 مقالة بحثية منشورة في مجلات عربية وعالمية.

يشار الى ان الصورة المرفقة للايضاح

تصوير: اورن زيف \ موقع سيحا مكوميت 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب