السّياحة الدينية إلى القدس

الرجوع

خليل حداد

لمدينة القدس تاريخ عريق، فهي قديمة بقدم حضارات فلسطين، وتروي حجارتها حكايات أهلها منذ بدء التّاريخ إلى اليوم. ولكن أهميتها تتعدى تاريخها لتكون انعكاسًا للعقيدة، فأهميتها الدّينية فاقت أهميتها التاريخية، أما بالنسبة للجغرافيا فحدث بلا حرج.
لمدينة القدس منذ نشأتها أهميّة فائقة على الرّغم من جغرافيتها "اللا منطقية"... ولماذا هي لا منطقية؟ الجواب في طبيعتها الجبلية التي تمنع فتح الطّرق وبالنتيجة تضيّق على حركة التّجارة منها وإليها. وكنتيجة لهذه الجغرافيا الجبلية الصّخرية البعيد عن الطرق؛ كانت المدينة هامشية في أهميتها الجيوسياسيّة ولكن على الرّغم ذلك اكتسبت القدس بعدًا أسطوريًا دينيًّا، عوض كثيرًا عن النّقص في الأهميّة الدّنيوية.
وهكذا أصبحت القدس مركزًا روحانيًّا للديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، وهي وجهة حجيج لبنات وأبناء هذه الدّيانات.

يزور القدس سنويًّا ملايين البشر من كل أنحاء العالم ومن كلّ الدّيانات .وفي أزقتها يلتقي بشر من مختلف المشارب والانتماءات، يسيرون فيها قاصدين الأماكن المقدسة الخاصة بكل منهم.

اليهود يزورون القّدس بشكل دائم وتحديدًا يهود الولايات المتحدة، يقيمون فيها الطقوس في منطقة حائط (المبكى (البراق) وفي كنسها وفي حيّها اليهودي، وتستخدمهم إسرائيل لتثبيت وتأكيد سيطرتها على الجزء الشّرقي الشّامل للمدينة القديمة داخل الأسوار المحتلة منذ عام ١٩٦٧، بحيث يقدم هؤلاء الكثير من التّبرعات المقدرة بمئات الملايين من الدّولارات سنويًا "لتثبيت" الوجود اليهودي في القدس، بالإضافة إلى التّملك في المدينة وتحديدًا في الجزء الغربي منها، إذ يشترون الشّقق السّكنية الفخمة بملايين الدّولارات ليقطنوها حين يزورون القدس، وهكذا تعتبرهم السّلطات الإسرائيلية سندًا اقتصاديًا وسياسيًا لمدينة القدس. بالإضافة للأموال الّتي يستثمرونها في القدس هم أيضًا يستخدمون وزنهم السّياسي وتحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية، للضغط على السّلطات لتبني سياسات داعمة لإسرائيل.

أما السّياحة الدّينية الأكبر والأكثر عددًا هي الحجيج المسيحي. تعتبر القدس في الدّيانة المسيحية أهم وأقدس المواقع على الإطلاق، فهي المكان الّذي صلب فيه المسيح وقام من بين الأموات وفق المعتقد المسيحي.

ولمن لا يعرف، تنقسم الدّيانة المسيحيّة إلى الكثير من الطوائف، أكبرها هي الطائفة الكاثوليكيّة وتأتي بعدها الأرثوذكسية والبروتستانتية. ويطمح أبناء وبنات هذه الطوائف لزيارة القدس مرة في الحياة على الأقل.

وينقسم هؤلاء سياسيًا بين داعم لإسرائيل ومعارض، ويتقرّر وجودهم في المدينة كثيرًا وتوجههم لها واختيارهم للفنادق فيها، وفق موقفهم السّياسي وليس الدّيني.

ويعتبر الحجاج المسيحيين الأمريكيين الأكثر عددًا في زياراتهم السّنوية للقدس، وبطبيعة الحال ينبع هذا من كونهم الأغنى والأكثر قدرة على تكبّد مصاريف السّفر إلى الدّيار المقدسة، وهكذا يشكلّ الأمريكيون ما يربو عن الخمسين بالمائة من عدّد الحجاج المسيحيين إلى الأراضي المقدسة سنويًا.
ومما لا شك فيه، بأنّ هذه السّياحة الدّينية المسيحية تحديدًا تشكل أحد روافد الدّعم الاقتصادي للمدينة المقدسة، وينقسم هذا الدّعم ليجد طريقه بطبيعة الحال حسب الموقف السّياسي أو حسب الموقف من الصّراع الإسرائيلي الفلسطيني لدى هؤلاء السّياح أما الذين يدعمون إسرائيل يركزون مشترياتهم من حوانيت يهودية وداعمو الفلسطينيين (وعددهم بتزايد كبير مؤخرًا) يركزون مقتنياتهم من حوانيت فلسطينية...
أما في السّنوات الأخيرة، فمن الملاحظ أيضًا تزايد حركة السّياحة الدّينية الإسلاميّة إلى مدينة القدس وارتباطها بالصّراع القومي واضح وحاد، فالغالبيّة السّاحقة من هؤلاء الحجاج يأتون داعمين للاقتصاد المقدسي الفلسطيني، بهدف معلن وهو دعم الوجود الفلسطيني على هذه الأرض في مقابل محاولات التّهجير والسّلب المتكرّرة.
وبدأت هذه السّياحة إلى المدينة المقدسة في أعقاب اقتحام المسجد الأقصى المبارك في عام ٢٠٠٠. وكانت هذه السّياحة الدّينية في بداياتها تركية بالأساس، ولكن مع مرور السّنوات بدأت حركة سياحية مسلمة كبيرة من كثير من الدّول الإسلامية.
ويجمع أصحاب المصالح الفلسطينية في القدس من فنادق وحوانيت، بأن هذه السّياحة كانت المنقذ لمصالحهم في فترات صعبة في السّنوات الأخيرة. إحدى الميزات التي تميّز مدينة القدس هي كون الحركة السّياحية إليها دينيّة في صلبها، وهو ما يجعلها سياحة متجذرة عقائدية لا تتأثر كثيرًا بالمتغيرات السّياسية والدّولية، وهي بالنسبة لأهل المدينة المقدسة شرط للبقاء.

 

 


كاتب المقال: خليل حداد وهو مرشد سياحي مختص بالسّياحة الدّينية المسيحية

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب