يافا من مدينة لحي فقر والعودة للمدينة!

الرجوع

عبد أبو شحادة

أحداث الأسبوع الأخير في يافا تلزمنا بالتعامل مع قضية يافا والمجتمع العربي فيها، وهي عملية تفكير تتطلب منا أن نعيد تخيّل حدود المجتمع الفلسطيني وكذلك حدود المدينة نفسها، ذلك إذا ما أردنا أن نخترق حدود الوعي الّذي كرسته الدّولة فيما بيننا. ولنسأل أنفسنا إذا ما كانت يافا تعود فقط لليافيين الّذين ولدوا بها قبل ٤٨؟ وكيف تقلصت يافا إلى حي العجمي وإلى حي آخر في تل أبيب الكبيرة؟ وهل نستطيع اليوم أن ننظم أنفسنا على المستوى السّياسي والتّنظيمي لكي نغير المعادلة؟
كنقطة انطلاق، لا بد لنا أولًا أن نرى ونحلّل الصّورة الدّيمغرافية القائمة في المنطقة: في منطقة المركز الّتي تسمى "غوش دان" هناك حوالي ٢ مليون مواطن، وداخل هذا التّجمع اليهودي لا يتعدى عدد السكان الذين ينتمون للشعب العربيّ الفلسطيني في حي العجمي في يافا ال-٢٠ ألف (!) على التّأطير الصّحيح لهذه القضية أنّ يشير إلى العنصرية المؤسساتية الّتي خلقت هذا الواقع. فمن بين كافة المدن الكبيرة في العالم الغربي- باريس، وبرلين، ونيويورك وميونيخ وغيرها- فقط في المدن الإسرائيلية لا توجد مجموعات سكانيّة عربيّة.
السّكان العرب في يافا هم هؤلاء الّذين نجوا من النّكبة، فمن أصل ١٢٠ ألف مواطن فلسطيني تقريبًا لم يبقى في يافا إلّا ٣٠٠٠ من أبناء الأحياء والقرى التاريخية- جريشة، وتل الريش، والبلدة القديمة، وتل كبير، ومنشية والخ- وغالبيتهم لم يكونوا من سكان حي العجمي بالأصل. وصولنا إلى العجمي كان نتيجة الحكم العسكري الّذي ركز الفلسطينيين الذين بقوا في يافا وأرغمهم على المكوث في جيتو العجمي. بمرور السنوات وبشكل طبيعي تنظم المجتمع الفلسطيني في يافا من جديد وبنى نفسه ومؤسساته في العجمي، وفقط في سنوات ال٧٠ وال٨٠ راح البعض ينتقل إلى حي النّزهة. ومن وجهة نظر تاريخية، بإمكاننا القول أن النّكبة الفلسطينية لم تؤدي فقط إلى طرد أهالي يافا إنما كذلك إلى سرقة المدينة الفلسطينية، ومن ثم تحويل يافا من مدينة فلسطينية إلى حي فقر تابع لتل أبيب.
منذ سنوات ال٨٠، بدأت عمليتان مهمتان في العجمي: كانت الأولى هي بداية الاستثمار البلدي في البنى التحتية، بما يشمل تطوير المؤسسات المجتمعية للمجتمع العربي بالإضافة إلى المدارس والمراكز الجماهيرية. أما الثّانية فكانت وضع خطّط هيكليّة بلدية قسمت العجمي إلى مناطق بين اليهود الأغنياء والعرب الفقراء. التّوجهات الإستشراقية الكلاسيكية والرّغبة في السّكن في "بيت عربي" مقابل "منظر خلاب" -لا يظهر فيه العرب طبعاً- آلت في نهاية المطاف إلى إقصاء المجتمع العربيّ الى خارج العجمي.
ما يميز عملية الاستباق هذه عن سيرورات شبيهة أخرى تجري في الدّولة هي بأنّ الحديث ليس فقط عن قضية السّكن بل أيضًا عن فصل المجتمع عن مؤسساته. فعندما لا يسكن العرب بجانب مؤسساتهم ولا تبدي السّلطات الرّسمية أية نية لتطوير مؤسسات للمجتمع العربي خارج العجمي، ما من شك بأن هذه العمليّة ستؤدي بالضرورة إلى تفكيك المجتمع العربي في يافا. فمثلاً، عندما لا يكون هناك عدد كافٍ من العرب الذين يسكنون بجانب المدارس العربية البلدية، سوف يؤدي المنطق التّخطيطي للسكان الجدّد إلى تحويل هذه المدارس إلى مدارس يهودية لأولادهم. هناك أيضًا امكانية المس بعمل المؤسسات الدينية، فربما نسمع قريبًا بأنّ لا حاجة في يافا لأصوات الأذان أو أجراس الكنائس لأنه لا يوجد مسلمون أو مسيحيون ممن يسكنون بمقربتها. وإذا ما استمر هذا الحال سوف نتحول إلى أفراد نعيش في أنحاء يافا المختلفة دون أية مؤسسات تعبر عن بعدنا المجتمعي.
لكن هذا المقال لا يسعى إلى التعاطي مع ما قامت به مؤسسات الدّولة، إنما وبالأساس مع سؤال كيف يمكننا أن نتحدى الأمر الواقع والوعي السائد لنطالب بالتعامل مع يافا على أنها مدينة؟ لكي نفعل ذلك، أوّل تحدي يجب أن نتخطاه هو النّظرة الاستشراقية التي تدعي بأن يافا تعود فقط للفلسطينيين الذين سكنوا فيها قبل ٤٨، تمامًا كمواليد القرى، وهو الأمر الّذي يضفي الشّرعية لوجودنا من ناحية السّلطات. بحسب هذا المنطق، لا توجد شرعيّة للعرب الذين انتقلوا إلى يافا ولا يوجد مبرّر لأخذهم بعين الاعتبار في عمليات التّخطيط البلدي وتطوير المؤسسات الاجتماعية الّتي من المفترض أن تقدم لهم الخدمات كذلك. هذا الادعاء الخطير يهدف إلى تأطير وجودنا كقبيلة ومنع الشّباب الفلسطينيين من الانتقال إلى يافا- في المقابل يمكننا أن نرى كيف تعمل البلديات اليهودية بشكل عكسي تمامًا وتبذل الجهود لتسوق نفسها كمكان سكن جذاب يستقطب الشّباب اليهود. هذا التأطير الفكري يمنعنا من الالتفات إلى أهمية يافا للمجتمع الفلسطيني كافة، وقدرتها على أن تكون مصدرًا جذب للشباب وأصحاب المهن الباحثين عن أسلوب حياة مديني عربيّ.
أما ثانيًا، فعلينا أن نكف عن النّظر إلى يافا كحي العجمي فقط، وأن نضع مطالبًا تنادي بالتطوير المجتمعي، والتجاري والثقافي في كافة أحياء يافا التاريخية. لا يوجد أي سبب يجعلنا نقبل بكون البلدة القديمة في يافا البلدة القديمة الوحيدة (من بين المدن المختلطة) بدون عرب، أو عدم وجود تمثيل عربي في شارع جمال باشا (الشّارع المركزي ليافا قبل ٤٨ الذي يجسد حضرية المدينة)، كذلك الأمر بخصوص ميناء يافا والأحياء الشّرقية.
النّقطة الثّالثة والأهم هي تطوير المجتمع المدني، وهو الأمر المفرح الّذي بدأنا نراه في يافا بالسّنوات الأخيرة. لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ منظمات المجتمع المدني بدأت تنظر إلى المجتمع العربي كافة، وليس فقط المجتمع اليافي كجمهور هدف ممكن، إن كان في السّياق الثّقافي- مثل نشاطات مسرح السّرايا الّذي تحول إلى مركز ثقافي لكلّ المنطقة- وإن كان في السّياق السّياسي والمطلب الأخلاقي بالتزام كلّ الفلسطينيين تجاه المدينة وليس فقط الفلسطينيين المحليين.
بطبيعة الحال، يجب النّظر إلى قصة يافا كعملية مستمرة، وكذلك إدراك القوة الكامنة بيننا لا سيما إذا ما نجحنا في تنظيم أنفسنا عمليًا وترجمة مطلبنا بالتعامل مع يافا كمدينة. مع الوقت، من الممكن حتى بأن تترجم هذه العملية إلى تحقق الفنتازيا الفلسطينية وعودة يافا كمدينة مستقلة بحد ذاتها.

 


كاتب المقال: عبد أبو شحادة باحث في مجال العلوم السياسية وعضو المجلس البلدي يافا - تل ابيب

 

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب