تحديات النساء في سوق العمل في ظل جائحة كورونا

الرجوع

د. مها كركبي صبّاح

 لقد أقرّ علماء الاجتماع في جميع أنحاء العالم، بأن وباء الكورونا COVID-19 له آثار غير متكافئة على مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي سيعزز من مظاهر عدم المساواة القائمة بين هذه الفئات. الاحصائيات المختلفة تدلّ على أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ستكون أساسًا في فرص العمل، التشغيل والمدخولات، ولا سيّما بالنسبة للنساء والأقليات العرقية. هذه المقالة تعرض بعض التحليلات الأوليّة لشرح الطريقة التي أثّر بها هذا الوباء اقتصاديًا واجتماعيًا على النساء الفلسطينيات في إسرائيل.

بدأ فيروس كورونا انتشاره في إسرائيل في أواخر شهر فبراير من سنة 2020. ومنذ ذلك الحين، ولغرض احتواء انتشار الفيروس، أغلقت إسرائيل حدودها وعلّقت نشاطها الاقتصادي، وحثّت الجميع على الالتزام بحجر صحي صارم. دخلت البلاد في حالة حظر تامة، ثلاث مرات خلال عام أدت لارتفاع غير مسبوق لمعدلات البطالة في اسرائيل.

وعلى الرغم من انتشار وباء الكورونا في التجمّعات السكانية العربي!ة في وقت لاحق وبسرعة أبطأ في بداية الجائحة، إلا أن الآثار الاقتصادية للركود الاقتصادي الناتج عن الجائحة قد أصابت المجتمع الفلسطيني بصورة أشد سلبية من المجتمع اليهودي. وفقًا لبيانات أصدرتها دوائر التشغيل خلال شهري مارس وأبريل، فإنّ مجموع الموظفين الفلسطينيين الذين أُجبروا على ترك العمل بسبب الركود الاقتصادي الناتج عن الجائحة أكبر بكثير إذا ما قارنّاه بنسبة العاطلين عن العمل بين السكان اليهود. علاوة على ذلك، ارتفعت معدلات الفقر في المجتمع الفلسطيني منذ بداية الجائحة بحسب مؤسسة التأمين الوطني.


الضرر الاقتصادي الاجتماعي الذي لحق بالنساء ملاحظ بالعديد من الدول المتحضرة، حيث تبيّن أن نسبة أكبر من النساء تضطرّ إلى الخروج من سوق العمل، مقارنة مع الرجال، وذلك لعدة أسباب منها: مجال أعمال النساء التي تضررت من الإغلاقات المتكررة وأدّت إلى خروج قسري من سوق العمل، وإمّا لأنّ النساء خرجن من تلقاء أنفسهنّ من العمل، نتيجة لاعتبارات اجتماعيّة.
وللإيضاح أكثر، دخول الدولة إلى حالات إغلاق مستمرّ ومن ضمنها المدارس ومؤسسات أخرى توفر الخدمات المختلفة، أعاد النساء إلى دورهنّ التقليدي الذي عملن على سنوات طويلة للخروج منه لتحقيق الاستقلال الاقتصادي. فاضطرت النساء مثلا للخروج من سوق العمل من أجل البقاء مع الأطفال في المنزل في كل ساعات النهار (بدلًا من أن يتواجدوا في المدرسة) كي يتمكّن الرجل من مزاولة العمل.
هناك أسباب عديدة تفسر ذلك، أبرزها النظر إلى المرأة كمعيل ثانوي في المنزل، ما يسهّل من خيار إخراجها من العمل؛ كما أن نسبة النساء (وخصوصًا النساء العربيّات في إسرائيل) اللواتي يعملن بوظائف جزئيّة لا كاملة، أعلى منها من الرجال بالإضافة لعدم المساواة في الأجر بين النساء والرجال، وعادةً ما تفكّر الأسر في أن يترك صاحب الأجر الأقلّ عمله، أي، في هذه الحالة تترك المرأة عملها. أمّا بالنسبة للخروج القسري، يعود لتواجد النساء بمهن لم تعتبر حيوية وطالها إغلاق لفترات زمنية طويلة كذلك هناك احتمال أن المشغلين يقومون بإخراج العاملين أصحاب الوظيفة الجزئيّة، مما يدل على أن الإخراج من العمل يطول عند النساء أكثر من الرجال.


هذه المعطيات تلائم كلّ النساء من مختلف السياقات الاجتماعيّة، لكن للمرأة الفلسطينية في اسرائيل سياقها الاجتماعي الاقتصادي الخاص؛ فنسبة تشغيل النساء العربيّات منخفضة ولم تتعدى 37%، وهي من الأكثر انخفاضًا في إسرائيل. كذلك نسبة العاملات منهنّ في الوظائف الجزئيّة أكبر من كافة المجتمعات الأخرى، بسبب ضيق الفرص وشحّ الإمكانيات في سوق العمل المحلّي بالإضافة إلى التوقعات الاجتماعية، وهي أن وظيفة المرأة الاهتمام بالأسرة ورعاية الأطفال، وعليها أن تحافظ على التوازن بين عالمين – عالم العمل وعالم الأسرة؛ وبالتالي من الأفضل لها أن تعمل في دوام جزئي.

تعمل النساء الفلسطينيات في البلاد عادةً في 3 قطاعات كبيرة، التدريس والتعليم؛ المواضيع العلاجيّة والخدمات (للنساء غير المتعلّمات خصوصًا). تبين من معطيات التشغيل جراء وباء الكورونا أن النساء في المهن التدريسيّة والعلاجيّة يحظين بأمان اقتصادي ووظيفيّ. لكنّ النساء الأخريات في المجالات الخدماتيّة والنساء المستقلّات (صاحبات المصالح التجارية مثلًا) لا يزلن يواجهن خطر ترك العمل والخروج إلى عطل غير مدفوعة الأجر. وللمقارنة، فالنساء اليهوديات يتوزّعن على مجالات أوسع من مجالات عمل النساء العربيّات مما يقلل من نسبة النساء اللواتي قد يضطررن إلى الخروج للبطالة.


بالرغم من التوقعات بأنّ انتهاء الوباء نتيجة للتلقيح قد يكون قريبًا، إلّا أنّ التداعيات الاقتصادية والاجتماعية سترافق فئة النساء عامة والنساء الفلسطينيات في اسرائيل خاصة، وذلك لهشاشة القاعدة الاقتصادية وفقر مبنى فرص العمل في المجتمع العربي، حيث سيصعب على النساء العودة مجددًا إلى سوق العمل، ما يعني انخفاض نسبة النساء العاملات عمومًا مقارنةً بما قبل كورونا؛ وتراجع الإنجاز الاجتماعي الاقتصادي الذي حصل لديهن في السنوات الأخيرة.


كاتبة المقال: د. مها كركبي صبّاح، هي محاضرة وباحثة في العلوم الاجتماعية ومديرة وحدة البحوث في المنتدى الاقتصادي العربي.

 

نسخ الرابط مشاركة فيسبوك مشاركة الواتسآب مشاركة الواتسآب